نعتقد: أنّ الله تعالى واحد احد ليس كمثله شيء، قديم لم يزل ولا يزال، هو الاَوّل والآخر، عليم، حكيم، عادل، حي، قادر، غني، سميع، بصير. ولا يوصف بما تُوصف به المخلوقات؛ فليس هو بجسم ولا صورة، وليس جوهراً ولا عرضاً، وليس له ثقل أو خفة، ولا حركة أو سكون، ولا مكان ولا زمان، ولا يشار إليه (1) ؟. كما لا ندَّ له، ولا شبه، ولا ضدّ، ولا صاحبة له ولا ولد، ولا شريك، ولم يكن له كفواً أحد، لا تدركه الاَبصار وهو يدرك الاَبصار.
ومن قال بالتشبيه في خلقه، بأن صوَّر له وجهاً ويداً وعيناً، أو أنّه ينزل إلى السماء الدنيا، أو أنّه يظهر إلى أهل الجنة كالقمر، أو نحو ذلك (2) ، فانّه بمنزلة الكافر به، جاهل بحقيقة الخالق المنزَّه عن النقص، بل كل ما ميّزناه بأوهامنا في أدق معانيه فهو مخلوق مصنوع مثلنا مردود إلينا ـ على حد تعبير الامام الباقر عليه السلام(3)ـ وما أجلّه من تعبير حكيم! وما أبعده من مرمى علمي دقيق!
وكذلك يلحق بالكافر من قال: إنّه يتراءى لخلقه يوم القيامة(4)، وإن
نفى عنه التشبيه بالجسم لقلقة في اللسان؛ فان أمثال هؤلاء المدّعين جمدوا
على ظواهر الاَلفاظ في القرآن الكريم أو الحديث، وأنكروا عقولهم وتركوها
وراء ظهورهم. فلم يستطيعوا أن يتصرَّفوا بالظواهر حسبما يقتضيه النظر
والدليل وقواعد الاستعارة والمجاز.
ونعتقد: بأنّه يجب توحيد الله تعالى من جميع الجهات، فكما يجب توحيده في الذات ونعتقد بأنّه واحد في ذاته ووجوب وجوده، كذلك يجب ـ ثانياً ـ توحيده في الصفات، وذلك بالاعتقاد بأنّ صفاته عين ذاته ـ كما سيأتي بيان ذلك ـ وبالاعتقاد بأنه لا شبه له في صفاته الذاتية؛ فهو في العلم والقدرة لا نظير له، وفي الخلق والرزق لا شريك له، وفي كلّ كمال لا ندَّ له.
وكذلك يجب ـ ثالثاً ـ توحيده في العبادة؛ فلا تجوز عبادة غيره بوجه من الوجوه، وكذا إشراكه في العبادة في أيّ نوع من أنواع العبادة؛ واجبة أو غير واجبة، في الصلاة وغيرها من العبادات.
ومن أشرك في العبادة غيره فهو مشرك، كمن يرائي في عبادته ويتقرَّب
إلى غير الله تعالى، وحكمه حكم من يعبد الاَصنام والاَوثان، لا فرق
بينهما(5).
أمّا زيارة القبور وإقامة المآتم، فليست هي من نوع التقرُّب إلى غير الله تعالى في العبادة ـ كما توهّمه بعض من يريد الطعن في طريقة الامامية، غفلة عن حقيقة الحال فيها(6)ـ بل هي من نوع التقرُّب إلى الله تعالى بالاعمال الصالحة، كالتقرُّب إليه بعيادة المريض، وتشييع الجنائز، وزيارة الاخوان في الدين، ومواساة الفقير.
فإنّ عيادة المريض ـ مثلاً ـ في نفسها عمل صالح يتقرَّب به العبد إلى الله تعالى، وليس هو تقرُّباً إلى المريض يوجب أن يجعل عمله عبادة لغير الله تعالى أو الشرك في عبادته، وكذلك باقي أمثال هذه الاَعمال الصالحة التي منها: زيارة القبور، وإقامة المآتم، وتشييع الجنائز، وزيارة الاِخوان.
أما كون زيارة القبور وإقامة المآتم من الاَعمال الصالحة الشرعية، فذلك
يثبت في علم الفقه، وليس هنا موضع إثباته(7).
والغرض؛ إنّ إقامة هذه الاَعمال ليست من نوع الشرك في العبادة ـ كما
يتوهمه البعض ـ وليس المقصود منها عبادة الاَئمّة، وإنّما المقصود منها إحياء
أمرهم، وتجديد ذكرهم، وتعظيم شعائر الله فيهم (وَمَنْ يُعَظِّمْ شَعَائِرَ الله فَإنَّها
مِنْ تَقْوى القُلُوب)(8).
فكلّ هذه أعمال صالحة ثبت من الشرع إستحبابها، فإذا جاء الانسان
متقرِّباً بها إلى الله تعالى، طالباً مرضاته، استحقّ الثواب منه، ونال جزاءه.
7 ـ عقيدتنا في صفاته تعالى
ونعتقد: أنّ من صفاته تعالى الثبوتية الحقيقية الكمالية التي تسمى بصفات الجمال والكمال ـ كالعلم، والقدرة، والغنى، والاِرادة، والحياة ـ هي كلّها عين ذاته، ليست هي صفات زائدة عليها، وليس وجودها إلاّ وجود الذات؛ فقدرته من حيث الوجود حياته، وحياته قدرته، بل هو قادر من حيث هو حي، وحي من حيث هو قادر، لا إثنينيه في صفاته ووجودها، وهكذا الحال في سائر صفاته الكماليّة.
نعم، هي مختلفة في معانيها ومفاهيمها، لا في حقائقها ووجوداتها؛ لاَنّه لو كانت مختلفة في الوجود ـ وهي بحسب الفرض قديمة وواجبة كالذات ـ للزم تعدّد واجب الوجود، ولانثلمت الوحدة الحقيقية، وهذا ما ينافي عقيدة التوحيد(9).
وأمّا الصفات الثبوتية الاضافية ـ كالخالقية، والرازقية، والتقدّم، والعلّية ـ فهي ترجع في حقيقتها إلى صفة واحدة حقيقية، وهي القيّومية لمخلوقاته، وهي صفة واحدة تنتزع منها عدّة صفات باعتبار اختلاف الآثار والملاحظات.
وأمّا الصفات السلبية التي تسمّى بصفات الجلال، فهي ترجع جميعها إلى سلب واحد هو سلب الامكان عنه؛ فإنّ سلب الاِمكان لازمه ـ بل معناه ـ سلب الجسمية والصورة والحركة والسكون، والثقل والخفّة، وما إلى ذلك، بل سلب كل نقص.
ثمّ إنّ مرجع سلب الاِمكان ـ في الحقيقة ـ إلى وجوب الوجود، ووجوب الوجود من الصفات الثبوتية الكمالية، فترجع الصفات الجلالية (السلبية) آخر الاَمر إلى الصفات الكمالية (الثبوتية) ، والله تعالى واحد من جميع الجهات، لا تكثّر في ذاته المقدّسة، ولا تركيب في حقيقة الواحد الصمد.
ولا ينقضي العجب من قول من يذهب إلى رجوع الصفات الثبوتية إلى
الصفات السلبية؛ لمّا عزّ عليه أن يفهم كيف أنّ صفاته عين ذاته، فتخيّل أنّ
الصفات الثبوتية ترجع إلى السلب؛ ليطمئنّ إلى القول بوحدة الذات وعدم
تكثّرها، فوقع بما هو أسوأ؛ إذ جعل الذات التي هي عين الوجود، ومحض
الوجود، والفاقدة لكلّ نقص وجهة إمكان، جعلها عين العدم ومحض
السلب(10)، أعاذنا الله من شطحات الاَوهام، وزلاّت الاَقلام.
كما لا ينقضي العجب من قول من يذهب إلى أنّ صفاته الثبوتية زائدة
على ذاته؛ فقال بتعدّد القدماء، ووجود الشركاء لواجب الوجود، أو قال بتركيبه
ـ تعالى عن ذلك ـ(11).
قال مولانا أمير المؤمنين وسيِّد الموحّدين عليه السلام: «وكمالُ
الاِِخلاصِ لهُ نفيُ الصِفاتِ عنهُ؛ لشهادةِ كلِّ صفةٍ أَنَّها غيرُ المَوصوفِ، وشهادةِ
كلِّ موصوفٍ أنَّه غيرُ الصفةِ، فمَنْ وَصَفَ الله سبحانه فَقدْ قرنَهُ، ومَنْ قرنَهُ فَقدْ
ثنّاهُ، ومَنْ ثنّاهُ فَقدْ جزّأَهُ، ومن جزّأَهُ فَقدْ جَهِلَهُ...»(12).
ونعتقد: أنّ من صفاته تعالى الثبوتية الكمالية أنّه عادل غير ظالم، فلا يجور في قضائه، ولا يحيف في حكمه؛ يثيب المطيعين، وله أن يجازي العاصين، ولا يكلِّف عباده ما لا يطيقون، ولا يعاقبهم زيادة على ما يستحقّون(13).
ونعتقد: أنّه سبحانه لا يترك الحسن عند عدم المزاحمة، ولا يفعل
القبيح؛ لاَنّه تعالى قادر على فعل الحسن وترك القبيح، مع فرض علمه بحسن
الحسن، وقبح القبيح، وغناه عن ترك الحسن وعن فعل القبيح، فلا الحسن
يتضرّر بفعله حتى يحتاج إلى تركه، ولا القبيح يفتقر إليه حتى يفعله. وهو مع
كل ذلك حكيم؛ لا بدّ أن يكون فعله مطابقاً للحكمة، وعلى حسب النظام
الاَكمل(14).
فلو كان يفعل الظلم والقبح ـ تعالى عن ذلك ـ فانّ الأمر في ذلك لا يخلو
عن أربع صور:
1 ـ أن يكون جاهلاً بالأمر، فلا يدري أنّه قبيح.
2 ـ أن يكون عالماً به، ولكنّه مجبور على فعله، وعاجز عن تركه.
3 ـ أن يكون عالماً به، وغير مجبور عليه، ولكنه محتاج إلى فعله.
4 ـ أن يكون عالماً به، وغير مجبور عليه، ولا يحتاج إليه، فينحصر في أن يكون فعله له تشهّياً وعبثاً ولهواً.
وكل هذه الصور محال على الله تعالى، وتستلزم النقص فيه وهو محض الكمال، فيجب أن نحكم أنه منزَّه عن الظلم وفعل ما هو قبيح.
غير أن بعض المسلمين جوَّز عليه تعالى فعل القبيح (15)ـ تقدَّست أسماؤه ـ فجوَّز أن يعاقب المطيعين، ويدخل الجنّة العاصين، بل الكافرين، وجوَّز أن يكلِّف العباد فوق طاقتهم وما لا يقدرون عليه، ومع ذلك يعاقبهم على تركه، وجوَّز أن يصدر منه الظلم والجور والكذب والخداع، وأن يفعل الفعل بلا حكمة وغرض ولا مصلحة وفائدة، بحجّة أنّه ( لا يُسئَلُ عَمَّا يَفعَلُ وَهُم يُسئَلونَ)(16).
فربُّ أمثال هؤلاء الذين صوَّروه على عقيدتهم الفاسدة: ظالم، جائر، سفيه، لاعب، كاذب، مخادع، يفعل القبيح ويترك الحسن الجميل، تعالى الله عن ذلك علوّاً كبيراً، وهذا هو الكفر بعينه، وقد قال الله تعالى في محكم كتابه: (وَمَا اللهُ يُريدُ ظُلْماً للعِبَادِ)(17).
وقال: (وَاللهُ لا يُحِبُّ الفَسَادَ)(18).
وقال:(وَمَا خَلَقْنَا الْسَّمواتِ والاَرضَ وَمَا بَيْنَهُما لاعِبِينَ)(19).
وقال: (وَمَا خَلَقتُ الجِنَّ والاِنْسَ إلاَّ لِيَعْبُدُونِ)(20).
إلى غير ذلك من الآيات الكريمة، سبحانك ما خلقت هذا باطلاً.
نعتقد: أنّه تعالى لا يكلِّف عباده إِلاّ بعد إقامة الحجّة عليهم(21)، ولا يكلِّفهم إلاّ ما يسعهم ما يقدرون عليه وما يطيقونه وما يعلمون؛ لاَنّه من الظلم تكليف العاجز والجاهل غير المقصِّر في التعليم.
أمّا الجاهل المقصِّر في معرفة الاَحكام والتكاليف فهو مسؤول عند الله تعالى، ومعاقَب على تقصيره؛ إذ يجب على كلّ إنسان أن يتعلَّم ما يحتاج إليه من الاَحكام الشرعية(22).
ونعتقد: أنّه تعالى لا بدَّ أن يكلِّف عباده، ويسنَّ لهم الشرائع، وما فيه صلاحهم وخيرهم؛ ليدلّهم على طرق الخير والسعادة الدائمة، ويرشدهم إلى ما فيه الصلاح، ويزجرهم عمّا فيه الفساد والضرر عليهم وسوء عاقبتهم، وإن علم أنّهم لا يطيعونه؛ لاَنّ ذلك لطف ورحمة بعباده، وهم يجهلون أكثر مصالحهم وطرقها في الدنيا والآخرة، ويجهلون الكثير ممّا يعود عليهم بالضرر والخسران، والله تعالى هو الرحمن الرحيم بنفس ذاته، وهو من كماله المطلق الذي هو عين ذاته، ويستحيل أن ينفك عنه.
ولا يرفع هذا اللطف وهذه الرحمة أن يكون العباد متمرّدين على طاعته،
غير مناقدين إلى أوامره ونواهيه.
ذهب قوم ـ وهم المجبرة (23) ـ الى انه تعالى هو القاعل لافعال
المخلوقين ، فيكون قد اجبر الناس على فعل المعاصي ، وهو مع ذلك
يعذبهم عليها ، واجبرهم على فعل الطاعات ومع ذلك يثيبهم عليها ؛ لانهم
يقلون : ان افعالهم في الحقيقة افعاله ، وانما تنسب اليه الطبيعة بين الاشياء ،
وانه تعالى هو السبب الحقيقي لا سبب سواه .
وقد انكروا السببية الطبيعية بين الاشياء ؛ اذ ظنوا ان ذلك هو مقتضى
كونه تعالى هو الخالق الذي لا شريك له .
ومن يقول بهذه المقالة فقد نسب الظلم اليه ، تعالى عن ذلك .
وذهب قوم آخرون ـ وهم المفوضة (24) ـ الى انه تعالى فوض الافعال
إلى المخلوقين، ورفع قدرته وقضاءه وتقديره عنها، باعتبار أنّ نسبة الأفعال إليه تعالى تستلزم نسبة النقص إليه، وأنّ للموجودات أسبابها الخاصة، وإن انتهت كلُّها إلى مسبِّب الأسباب والسبب الأول، وهو الله تعالى.
ومن يقول بهذه المقالة فقد أخرج الله تعالى من سلطانه(25)، وأشرك غيره معه في الخلق.
واعتقادنا في ذلك تبع لما جاء عن أئمتنا الأطهار عليهم السلام من الأَمر بين الأمرين، والطريق الوسط بين القولين، الذي كان يعجز عن فهمه أمثال أولئك المجادلين من أهل الكلام، ففرَّط منهم قوم وأفرط آخرون، ولم يكتشفه العلم والفلسفة إلاّ بعد عدة قرون(26).
وليس من الغريب ممَّن لم يطّلع على حكمة الأَئمّة عليهم السلام وأقوالهم أن يحسب أنّ هذا القول ـ وهو الأمر بين الاَمرين ـ من مكتشفات بعض فلاسفة الغرب المتأخرين، وقد سبقه إليه أئمتنا قبل عشرة قرون.
فقد قال إمامنا الصادق عليه السلام لبيان الطريق الوسط كلمته المشهورة: «لا جبر ولا تفويض،ولكن أمر بين أمرين»(27).
ما أجلَّ هذا المغزى، وما أدقّ معناه، وخلاصته: إنّ أفعالنا من جهة هي أفعالنا حقيقة ونحن اسبابها الطبيعية، وهي تحت قدرتنا واختيارنا، ومن جهة أخرى هي مقدورة لله تعالى، وداخلة في سلطانه؛ لاَنّه هو مفيض الوجود ومعطيه، فلم يجبرنا على افعالنا حتى يكون قد ظلمنا في عقابنا على المعاصي؛ لاَنّ لنا القدرة والاختيار فيما نفعل، ولم يفوِّض إلينا خلق أفعالنا حتى يكون قد أخرجها عن سلطانه، بل له الخلق والحكم والأمر، وهو قادر على كل شيء ومحيط بالعباد(28).
وعلى كل حال، فعقيدتنا : أنّ القضاء والقدر سر من أسرار الله تعالى، فمن استطاع أن يفهمه على الوجه اللائق بلا إفراط ولا تفريط فذاك، وإلاّ فلا يجب عليه أن يتكلّف فهمه والتدقيق فيه؛ لئلاّ يضل وتفسد عليه عقيدته؛ لاَنّه من دقائق الأمور، بل من أدق مباحث الفلسفة التي لا يدركها إلاّ الأوحدي من الناس، ولذا زلّت به أقدام كثير من المتكلّمين(29).
فالتكليف به تكليف بما هو فوق مستوى مقدور الرجل العادي، ويكفي أن يعتقد به الانسان على الاجمال اتّباعاً لقول الأئمة الأطهار عليهم السلام من أنّه أمر بين الأمرين؛ ليس فيه جبر ولا تفويض.
وليس هو من الاصول الاعتقادية حتى يجب تحصيل الاعتقاد به على كل
حال على نحو التفصيل والتدقيق.
البداء في الانسان: أن يبدو له رأي في الشيء لم يكن له ذلك الرأي سابقاً، بأن يتبدَّل عزمه في العمل الذي كان يريد أن يصنعه؛ إذ يحدث عنده ما يغيِّر رأيه وعلمه به، فيبدو له تركه بعد أن كان يريد فعله، وذلك عن جهل بالمصالح، وندامة على ما سبق منه.
والبداء بهذا المعنى يستحيل على الله تعالى. لاَنّه من الجهل والنقص، وذلك محال عليه تعالى، ولا تقول به الامامية.
قال الصادق عليه السلام: «مَن زعم أنّ الله تعالى بدا له في شيء بداء ندامة فهو عندنا كافر بالله العظيم»(30).
وقال أيضاً: «من زعم أن الله بدا له في شيء ولم يعلمه أمس فأبرأ منه»(31).
غير أنّه وردت عن أئمتنا الأطهار عليهم السلام روايات توهم القول بصحة البداء بالمعنى المتقدِّم، كما ورد عن الصادق عليه السلام: «ما بدا لله في شيء كما بدا له في اسماعيل ابني»(32) ولذلك نَسبَ بعض المؤلّفين في الفرق الاسلامية إلى الطائفة الامامية القول بالبداء طعناً في المذهب وطريق آل البيت، وجعلوا ذلك من جملة التشنيعات على الشيعة.
والصحيح في ذلك أن نقول كما قال الله تعالى في محكم كتابه المجيد: (يَمْحوُا اللهُ ما يَشَآءُ وَيُثبِتُ وَعِندَهُ أُمُّ الكِتَابِ)(33).
ومعنى ذلك: أنّه تعالى قد يُظهر شيئاً على لسان نبيِّه أو وليِّه، أو في ظاهر
الحال لمصلحة تقتضي ذلك الاِظهار، ثم يمحوه فيكون غير ما قد ظهر أولاً، مع
سبق علمه تعالى بذلك، كما في قصة اسماعيل لما رأى ابوه إبراهيم أنّه
يذبحه(34).
فيكون معنى قول الامام عليه السلام: أنّه ما ظهر لله سبحانه أمر في شيء
كما ظهر له في اسماعيل ولده؛ إذ اخترمه قبله ليعلم الناس أنّه ليس بإمام، وقد
كان ظاهر الحال أنّه الاِمام بعده؛ لاَنّه أكبر ولده(35).
وقريب من البداء في هذا المعنى نسخ أحكام الشرائع السابقة بشريعة
نبيِّنا صلّى الله عليه وآله، بل نسخ بعض الأحكام التي جاء بها نبينا صلّى الله عليه
وآله(36).
نعتقد: أنّه تعالى جعل أحكامه ـ من الواجبات والمحرَّمات وغيرهما ـ طبقاً لمصالح العباد في نفس أفعالهم، فما فيه المصلحة الملزمة جعله واجباً، وما فيه المفسدة البالغة نهى عنه، وما فيه مصلحة راجحة ندبنا إليه...
وهكذا في باقي الأحكام، وهذا من عدله ولطفه بعباده.
ولا بدّ أن يكون له في كل واقعة حكم(37)، ولا يخلو شيء من الأشياء من حكم واقعي لله فيه، وإن انسدَّ علينا طريق علمه.
ونقول أيضاً: إنّه من القبيح أن يأمر بما فيه المفسدة، أو ينهى عمّا فيه المصلحة.
غير أنّ بعض الفِرق من المسلمين يقولون: إنّ القبيح ما نهى الله تعالى عنه، والحسن ما أمر به، فليس في نفس الاَفعال مصالح أو مفاسد ذاتية، ولا حسن أو قبح ذاتيان(38)، وهذا قول مخالف للضرورة العقلية.
كما أنّهم جوَّزوا أن يفعل الله تعالى القبيح فيأمر بما فيه المفسدة، وينهى عما فيه المصلحة. وقد تقدَّم أنّ هذا القول فيه مجازفة عظيمة ، وذلك لاستلزامه نسبة الجهل أو العجز إليه سبحانه، تعالى علواً كبيراً.
والخلاصة: أنّ الصحيح في الاعتقاد أن نقول: إنّه تعالى لا مصلحة له ولا
منفعة في تكليفنا بالواجبات ونهينا عن فعل ما حرَّمه، بل المصلحة والمنفعة
ترجع لنا في جميع التكاليف، ولا معنى لنفي المصالح والمفاسد في الأفعال
المأمور بها والمنهي عنها؛ فإنّه تعالى لا يأمر عبثاً ولا ينهى جزافاً، وهو الغني
عن عباده.
(1) روي عن الامام علي عليه السلام قوله في جواب ذعلب: «لم أكن بالذي اعبد رباً لم أره»
ثم أردف قائلاً في وصف الله تعالى: «ويلك لم تره العيون بمشاهدة الاَبصار ولكن رأته
القلوب بحقائق الايمان. ويلك يا ذعلب، إنّ ربي لا يوصف بالبعد ولا بالحركة ولا
بالسكون ولا بالقيام قيام انتصاب ولا بجيئة ولا بذهاب، لطيف اللّطافة لا يوصف
باللّطف، عظيم العظمة لا يوصف بالعظم، كبير الكبرياء لا يوصف بالكبر، جليل الجلالة
لا يوصف بالغلظ، رؤوف الرحمة لا يوصف بالرقة، مؤمن لا بعبادة، مدرك لا بمجسّة،
قائل لا باللّفظ، هو في الاَشياء على غير ممازجة، خارج منها على غير مباينة، فوق كل
شيء فلا يقال شيء فوقه، وأمام كل شيء فلا يقال له أمام، داخل في الاَشياء لا كشيء في
شيء داخل، وخارج منها لا كشيء من شيء خارج».
التوحيد للصدوق: 304 ـ باب حديث ذعلب ـ ، أمالي الصدوق: 280 المجلس الخامس والخمسون، بحار الاَنوار: 4|27.
(2) كقول الكرامية (إنّه تعالى في جهة فوق)!!
راجع: الفرق بين الفرق: 131، الملل والنحل: 1/ 99، وكذلك الأشاعرة في الإبانة
في اصول الديانة: 36 ـ 55، وكذلك الوهابية رسالة العقيدة الحموية لإبن تيمية:
1/ 429، الهدية السنية : 97، والرسالة الخامسة منها لعبد اللطيف حفيد محمد بن
عبدالوهاب.
وكذلك القول بأنه تعالى يتحد مع أبدان العارفين! كما حكم الصوفية قال العارف
البلجرامي في كتابه «سبحة المرجان»:
انما الخلق المظهر الباري * * * هو في كل جزئه ساري
وقال الآخر منهم:
أنا من أهوى ومن أهوى أنا * * * نحن روحان حللنا بدنا
ويراجع ديوان الشيخ ابن الفارض، كما في قصيدته التائية الكبرى المسماة بنظم السلوك
ومطلعها:
سقتني حميا الحب راحة مقلتي * * * وكأسي محيا من عن الحسن جلت
وقصيدته اليائية، مطلعها:
سائق الأضعان يطوي البيد طي * * * منعما عرج على كثبان طي
ورسائل الشيخ عطار وغيرها كثير.
ذكر العلامة الحلي معقبا على هذه الخرافات بقوله: (فانظرو إلى هؤلاء المشايخ الذين
يتبركون بمشاهدهم كيف اعتقادهم في ربهم، وتجويزهم تارة الحلول واخرى الاتحاد، وعبادتهم
الرقص والتصفيق والغناء) إلى أن قال: (ولقد شاهدت جماعة من الصوفية في حضرة مولانا
الحسين عليه السلام وقد صلوا المغرب سوى شخص واحد منهم كان جالسا لم يصل، ثم صلوا
بعد ساعة العشاء سوى ذلك الشخص، فسألت بعضهم عن ترك صلاة ذلك الشخص، فقال:
وما حاجة هذا إلى الصلاة وقد وصل؟ أيجوز ان يجعل بينه وبين الله حاجباً؟ فقلت: لا فقال:
الصلاة حاجب بين العبد والرب) نهج الحق: 58.
يراجع: مناقب العارفين للافالكي، وأسرار التوحيد: 186، والأنوار في كشف الاسرار للشيخ روزبهان البقلي، والمجلد الثاني من احياء العلوم للغزالي.
(3) انظر بحار الاَنوار: 69|293 ح23، المحجة البيضاء: 1|219.
(4) حيث حكم الاَشاعرة بأنّ الله تعالى يتراءى لخلقه. راجع: الابانة في أصول الديانة لاَبي الحسن الاَشعري: 5 و6، الملل والنحل: 1|85 إلى 94، وحاشية الكستلي المطبوع في هامش شرح العقائد للتفتازاني: 70، اللوامع الالهية: 82 و98.
ويضيف البغدادي: (وأجمع أهل السنة على أنّ الله تعالى يكون مرئياً للمؤمنين في الآخرة، وقالوا بجواز رؤيته في كل حال ولكل حي من طريق العقل، ووجوب رؤيته للمؤمنين خاصة في الآخرة من طريق الخبر). الفرق بين الفرق: 335 ـ 336.
وباستثناء المجسّمة الذين زعموا أنّ أهل المحشر كافة سيرونه ـ تعالى عن ذلك ـ يوم القيامة نصب أعينهم باتصال اشعّتها بجسمه، ينظرون إليه لا يمارون كما لا يمارون في الشمس والقمر ليس دونهما سحاب.. فإنّ محل النزاع منحصر في أنّ رؤية الباري تعالى هل هي ممكنة مع تنزيهه؟ أم هي مع التنزيه ممتنعة مستحيلة؟ فالاَشاعرة ذهبوا إلى الاَول وذهبنا نحن ـ تبعاً لائمتنا عليهم السلام ـ إلى الثاني.
راجع ـ للتفصيل: كتاب كلمة حول الرؤية للاِمام السيد عبد الحسين شرف الدين؛ فقد أوفى الغرض بمناقشة هذه المسألة واستعراضها باسلوب رصين.
هذا كله بالاضافة إلى ما ورد من الاَحاديث ـ المزعومة ـ التي ذكرت بأن الله خلق آدم
على صورته، وأنّ له جوارح مشخصة، كالاَصابع والساق والقدم، وأنّ في ساقه علامة
يعرف بها، وأنّه يضع قدمه في جهنّم يوم القيامة لتكف عن النهم فتقول: قط! قط!، وأنّ
الرسول صلّى الله عليه وآله يراه ـ سبحانه ـ فيقع ساجداً، وأنّ الله يهبط يوم القيامة إلى
العباد ليقضي بينهم، وأنّ المسلمين يرون ربّهم يوم القيامة كما يرون القمر لا يضامون في
رؤيته. وغيرها الكثير؛ لاحظ: صحيح البخاري: 8|62، 9|156، وصحيح مسلم:
4|2183 وغيرها، سنن ابن ماجه: 1|64، مسند أحمد: 2|264 وغيرها، الموطأ:
1|214 ح30، أصل الشيعة وأصولها ـ مقدمة المحقّق ـ هامش ص 24.
(5) يذكر الشيخ المظفر (قدس سره) في محاضراته الفلسفية قوله: (في بحثنا الالهي نخطو خطوات ونجتاز مراحل:
1 ـ المرحلة الاولى: في إثبات أصل واجب الوجود.
2 ـ المرحلة الثانية: بعد ثبوت أصل واجب الوجود لا بدّ أن يكون هو صرف الوجود.
3 ـ المرحلة الثالثة: بعد ثبوت المرحلتين ننتقل إلى وحدانيته؛ لاَنّه إذا ثبت أنّه صرف الوجود فلا بد أن يكون واحداً؛ لاَنّ صرف الشيء لا بدّ أن يكون واحداً، وإلاّ لم يكن صرف الشيء، وإذا كان عارياً من كل حد فلا يعقل أن يتعدّد؛ لاَنّ الاَشياء إنّما تتمايز بالحدود.
فالتوحيد لا ينحصر في الاعتقاد بوحدة واجب الوجود وأنه صرف الوجود، بل هو
تعالى واحد في خلقه وفيضه، فكل الاَشياء من فيضه وتجليات لنوره).
ثم يذكر الشيخ ( قدس سره ) برهانا للقدماء على التوحيد، وملخصه: ( العالم واحد فلا
بد أن يكون الخالق واحدا؛ فهناك تلازم بين وحدة الخالق ووحدة المخلوق ـ وهو العالم ـ
بحيث لو فرض وجود عالمين لفرض وجود إلهين اثنين، وهو مقولة: الواحد لا يصدر عنه إلا
الواحد.
ثم يشير عند شرحه لخطبة التوحيد المشهورة للامام علي عليه السلام عند قوله عليه
السلام: «وكمال توحيده الاخلاص له»: والفكرة العامية للاخلاص هو الاخلاص بالعبادة،
ولكن هذا المعنى لا يترتب على ما قبله، ولا ينسجم مع ما بعده؛ فالاخلاص يعني تنزيه
من كل النقائص، ومن كل شيء يقدح في كونه واجب الوجود، فهو أعم من الاخلاص في
العمل والعبادة، فالتوحيد لا يكون توحيداً حقيقياً إلا إذا وحدته من جميع الجهات في ذاته
وصفاته وأفعاله وعبادته أيضاً، فالاخلاص له يعني التوحيد من جميع الجهات، وتنزيهه عن
الشريك من جميع النواحي .. إلى آخره).
يراجع: الفلسفة الاسلامية؛ محاضرات الشيخ المظفر (قدس سره) على طلاب كلية الفقه في النجف الاشرف، الدرس العاشر: 91، والدرس الحادي عشر: 93، والدرس الرابع عشر: 103.
(6) وفي هذه العبارة التي ذكرها المصنف (قدس سره) إشارة إلى الشبهة التي أثارها بعض خصوم الشيعة حول زيارة القبور وأشاعوا انّها محرّمة. واعتمدوا في ذلك على الحديث النبوي الذي نقله النسائي في سننه، ولفظه «لعن الله زائرات القبور والمتخذين عليها المساجد والسرج»: 4|95. ونقله أيضاً بنفس اللفظ: كنز العمال: 16|388 ح45039. وذكره أيضاً ابن ماجه في سننه، ولكن بلفظ مختلف هو: «لعن رسول الله (صلّى الله عليه وآله) زوّارت القبور»: 1|502 باب ما جاء في النهي عن زيارة النساء القبور، ح1574 و 1575 ، 1576. ولا يخفى ما في متن الحديثين من تفاوت واضطراب؛ فلفظ زائرات يختلف عن زوّارت ـ بصيغه المبالغة ـ وكذلك عدم ورود الزيادة التي ذكرها النسائي اضافة إلى ذلك، ذكر هذا الحديث كل من محمد ناصر الدين الاَلباني في: سلسلة الاَحاديث الضعيفة: 1|258 ح225، وكذلك ابن عدي في: الكامل في الضعفاء: 5|1698 بدون ذكر الزيادة الموجودة في سنن النسائي.
هذا من ناحية المتن، أما بالنسبة إلى السند، ففي سند هذا الحديث: عبدالوارث بن
سعيد وأبو صالح ـ على رواية النسائي وراوية ابن ماجه الاولى ـ وعبدالله بن عثمان
وعبدالرحمن بن بهمان ـ على رواية ابن ماجه الثانية ـ وهؤلاء يمكن الاطلاع على احوالهم
مما يلي: ـ
1ـ عبدالوارث بن سعيد: قال عنه ابن حبان: كان قدرياً. وقال ابن أبي خيثمة: وكان
يرمى بالقدر. وقال الساجي: كان قدرياً ذم لبدعته، وقال ابن معين: كان يرى القدر
ويظهره. ذكر ذلك في تهذيب التهذيب: 6/ 391 ـ 392.
2 ـ أبو صالح: وهو مردد بين ميزان البصري وبين باذام مولى ام هاني. والمرجح عند
أهل الرجال والحديث أنه باذام. وباذام هذا قال ابن حجر في تهذيب التهذيب: 1/ 364 ـ
365 أنه قال فيه أحمد: كان ابن مهدي قد ترك حديثه، وقال أبو حاتم: يكتب حديثه ولا
يحتج به. وقال النسائي: ليس بثقة، وقال ابن عدي: ولم أعلم أحداً من المتقدمين رضيه.
وقال زكريا بن أبي زائدة، كان الشعبي يمر بأبي صالح فيأخذ باذنه فيهزها ويقول: ويلك
تفسر القرآن وأنت لا تحفظ القرآن، وقال ابن المديني عن القطان عن الثوري: قال الكلبي
قال لي أبو صالح: كلما حدثتك كذب. ونقل ابن الجوزي عن الازدي أنه قال: كذاب.
هذا ما ذكره تهذيب التهذيب. أما في سلسلة الأحاديث الضعيفة فبعد أن ذكر الحديث ورجح
أن أبو صالح هذا هو باذام قال: (وأبو صالح هذا مولى ام هانئ بنت أبي طالب، واسمه
باذان ويقال: باذام. وهو ضعيف عند جمهور النقاد ولم يوثقه أحد إلا العجلي وحده. بل
كذبه اسماعيل بن أبي خالد والأزدي، ووصمه بعضهم بالتدليس وقال الحافظ في
«التقريب»: ضعيف مدلس. وهو ضعيف عند ابن الملقن وعبد الحق الأشبيلي). سلسلة
الأحاديث الضعيفة: 1/ 258.
3ـ عبدالله بن عثمان: قال النسائي: ثقة، وقال مرة: ليس بالقوي. وقال ابن حبان: كان
يخطئ. وقال عبدالله بن الدورقي عن ابن معين: أحاديثه ليست بالقوية. وقال: ابن خثيم
ليس بالقوي .. علي بن المديني قال: ابن خثيم منكر الحديث. ذكره تهذيب التهذيب:
تهذيب التهذيب: 6/ 135.
4ـ عبدالرحمن بن بهمان: وهذا قال فيه ابن المديني: لا نعرفه. كما نقله عنه في
تهذيب التهذيب: 6/ 135.
هذا هو حال سند هذا الحديث وحال متنه، ويضاف إلى ذلك أنه معارض بأخبار أخر كثيرة أحسن منه متناً وأقوى سنداً؛ فقد جاء من الأحاديث التي تحث على زيارة قبر النبي العديد العديد منها ما في كنز العمال: 15/ 651 ح 42582 ـ 42584، وكذا في جزئه الخامس / 135 ح 12368 ـ 12373، وكذلك ما جاء في السنن الكبرى للبيهقي: 5/ 245 باب زيارة قبر النبي، وأما في زياره القبور بصورة عامة فلا حظ: كنز العمال: 15/ 646 الفصل الثالث في زيارة القبور وفي الاحاديث من 42551 إلى 42558، والسنن الكبرى للبيهقي: 5/ 249 باب زيارة القبور التي في بقيع الغرقد، وباب زيارة قبور الشهداء. وكذا في سنن ابن ماجه: 1/ 500 باب ما جاء في زيارة القبور. وغير هذه المصادر الكثير الكثير مما يقصر هذا الموضع عن عدها. ولو سلمنا صحة الحديث السابق ـ جدلا ـ ومقاومته ومعارضته لكل هذه الأحاديث الصحيحة القوية، فان هذا الأحاديث يمكن أن نعتبرها ناسخة له إذا لا حظنا قوله صلى الله عليه وآله: «كنت نهيتكم عن زيارة القبور فزوروها؛ فإنها تذكركم بالاخرة» ذكره كنز العمال: 15/ 646 ح 42555 وغيره كثير. هذا كله بالاضافة إلى إجماع المسلمين على جواز زيارة القبور، بل رجحانها واستحبابها، وقيام السيرة على ذلك منذ عهد النبي، فقد ذكر البيهقي في سننه الكبرى وغيره بأنه كلما كانت ليلة عائشة من رسول الله صلى الله عليه وآله يخرج من آخر الليل إلى البقيع فيقول: «السلام عليكم دار قوم مؤمنين، وآتاكم ما توعدون» ذكره في الجزء: 5/ 249، وذكر النسائي في سننه، كتاب الجنائز، باب زيارة قبور المشركين، وأبو داود في سننه في زيارة القبور ح3234، وبن ماجه في سننه في باب ما جاء في زيارة قبور المشركين: أن النبي صلى الله علي وآله زار قبر أمه فبكى وأبكى من حوله. بالاضافة إلى الاحاديث المتكاثرة التي تذكر بأن النبي صلى الله عليه وآله كان يعلم عائشة الدعاء عند زيارة القبور. ولو تجاوزنا هذا كله ورجعنا إلى الحديث الذي اعتمدوه ولا حظناه ـ بغض النظر عن كل ما قدمناه ـ فلن نجد فيه الدلالة التي ذكروها بل قد استفاد الكثير من المحدثين والفقهاء كراهة زيارة القبور بالنسبة للنساء فقط لا غير، وإليك نص العبارة التي ذكرها البيهقي في سننه الكبرى: 4/ 78، فقد قال: (إن فاطمة بنت النبي صلى الله عليه وآله كانت تزور قبر عمها حمزة كل جمعة فتصلي وتبكي عنده ... ثم قال: وقد روينا في الحديث الثابت عن أنس بن مالك أن رسول الله صلى الله عليه وآله مر بامرأة عند قبر وهي تبكي فقال: «اتقي الله واصبري» وليس في الخبر أنه نهاها عن الخروج إلى المقبرة، وفي ذلك تقوية لما روينا عن عائشة إلا أن اصح ما روي ذلك صريحا حديث أم عطية وما يوافقه من الأخبار، فلو تنزهن عن اتباع الجنائز والخروج إلى المقابر وزيارة القبور كان أبرأ لدينهن). انتهى كلامه. وحديث أم عطية هو: قالت نهينا عن اتباع الجنائز، ولم يعزم علينا: السنن الكبرى: 4/ 77 قال: وأخرجه مسلم في الصحيح من وجهين عن هشام. سنن ابن ماجه 1/ 502 ح 1577.
ولزيادة الاطلاع والتوضيح راجع: كشف الارتياب في اتباع محمد بن عبد الوهاب، للسيد محسن الأمين العاملي.
(7) وعلى سبيل المثال نذكر ما ورد في السنة والسيرة للنبي وآله صلّى الله عليه وآله حول
رجحان أمثال هذه الاَعمال الصالحة؛ منها ما رواه البخاري في صحيحه في باب فضائل
أصحاب النبي: 4|204 عنه صلّى الله عليه وآله: «على مثل جعفر فلتبك البواكي» وكذلك
ندب النبي إلى البكاء على حمزة فقال: «على مثل حمزة فلتبك البواكي» راجع: طبقات ابن
سعد: 2|44، ومغازي الواقدي: 1|317، ومسند أحمد: 2|40. وذكر النسائي في سننه،
كتاب الجنائز باب زيارة قبور المشركين، وابو داود في سننه في زيارة القبور ح 3234 وابن
ماجه في سننه في باب ما جاء في زيارة قبور المشركين: أنّ النبي صلّى الله عليه وآله زار قبر
اُمه فبكى وأبكى من حوله.
وكذلك صح بكاء الزهراء عليها السلام على أبيها وبكاء زينب بنت أمير المؤمنين عليه
السلام على أخويها الحسن والحسين عليهما السلام، وقال الامام الصادق عليه السلام: «قال
الحسين عليه السلام: أنا قتيل العبرة لا يذكرني مؤمن إلا بكى» كامل الزيارات: 108.
وقال عليه السلام: «نفس المهموم لظلمنا تسبيح، وهمه لنا عبادة، وكتمان سرنا جهاد
في سبيل الله». بحار الأنوار: 44/ 278 ح4.
وقال الامام الرضا (عليه السلام): «من تذكر مصابنا فبكى وأبكى لم تبك عينه يوم تبكي العيون، ومن جلس مجلساً يحيي فيه أمرنا لم يمت قلبه يوم تموت القلوب» أمالي الصدوق: المجلس السابع عشر.
(8) الحج 22: 32.
(9) يشير الشيخ المظفر (قدس سره) إلى هذا المعنى بقوله: ـ
(أمّا القول بالاعتبار الذي معناه أنّ الصفات لا واقع خارجي لها، فنحن نعتبر هذا الكلام
غير صحيح؛ لاَنّ الله تعالى وصف نفسه بأنّه عليم حكيم قادر . هو محض القدرة والعلم
والحياة، لا أنّه ذات لها القدرة والعلم والحياة، ولكن هذه الصفات متغايرة بالمفهوم الذي
يفهم منه لدى الذهن؛ لاَنّها ألفاظ غير مترادفة، فتغايرها اعتباري مفهومي فقط، فلا تغاير
في الصفات وجوداً، ولا من حيث الحيثيّة، ولا تعددها اعتباري كما ذكروا، بل هناك تعدد
مفهومي يحكي عن حقيقة هو كلّ الحقائق. قال أمير المؤمنين عليه السلام: «فمن وصفه
فقد عدّه..» أليس هو قد وصفه بصفات كثيرة؟! ولكنه يعني أنّ من وصفه بصفات زائدة
على الذات، بحيث يوجب تعدد الذات وتعدّد القدماء، ويخرج عن كونه واجب
الوجود)الفلسفة الاسلامية محاضرات الشيخ المظفر (قدس سره): 102.
(10) في كلام المصنّف (قدس سرّه) إشارة إلى ما ذهب إليه الشيخ الصدوق (قدس سرّه) في قوله: (كلّما وصفنا الله تعالى من صفات ذاته فإنّما نريد بكل صفة منها نفي ضدّها عنه عز وجل. ونقول: لم يزل الله عز وجل سميعاً بصيراً عليماً حكيماً قادراً عزيزاً حياً قيوماً واحداً قديماً. وهذه صفات ذاته.
ولا نقول: إنّه عز وجل لم يزل خلاّقاً فاعلاً شائياً مريداً راضياً ساخطاً رازقاً وهاباً متكلماً؛ لاَنّ هذه صفات أفعاله، وهي محدثة لا يجوز أن يقال: لم يزل الله موصوفاً بها) الاعتقادات: 8.
ولا يخفى أن هذا يعني أنه يمكن انطباق عدة سلوب على موضوع واحد؛ فمعنى الحياة هو عدم الموت، ومعنى العلم عدم الجهل، ومعنى القدرة عدم العجز.. وهكذا، وهذه اسلوب يمكن انطباقها على ذات واحدة، فيتبين أن الله ـ تعالى عن ذلك ـ هو مجموعة اسلوب، ويعقب الشيخ المظفر على ذلك بقوله: (نحن نحترم الشيخ الصدوق ـ كمحدث وناقل ـ فاذا تحدث عن مثل هذه الامور فلا نقبل آراءه. فنحن نريد أن نقول: أنه لا تعدد حقيقي، ولا من حيث الحيثية، ولا تعدد اعتباري؛ لأن التعدد من ناحية الاعتبار ومن ناحية الحيثية لا قيمة له، فالفكرة التي نؤمن بها يعرب عنها الفارابي بقوله : (هو عالم من حيث قادر ، وقادر من حيث هو حي ، وحي من حيث هو عالم ..) إن هذه الصفات ليس فيها تعدد حقيقي ولا تعدد حيثية ؛ لان جهة العلم ليست غير جهة الحياة ، فالتعدد الذي نتصوره هو بالمفهوم الذي يحكي عن حقيقة ، وتعددها عين وحدتها . نحن نقول : انه عالم من حيث هو قادر ، وهو حيثيات واقعية ولكن لا بمعنى ان لها وجودات مستقلة ، بل بمعنى ان نفس الوجود هو بنفسه العلم وهو بنفسه القدرة لا ان القدرة موجودة بذلك الوجود لتكون حيثية مقابلة لتلك الحيثية ، فهذه الصفات وان كانت حقيقة وواقعية ففي عين تعددها هي واحدة ، وتعدد هذه المفاهيم يكشف عن معنى حقيقي ولكن ليس هناك تعدد حتى بالمعنى ، وهذا العمق في هذا القول هو الذي غاب عن أفكار أصحاب الاقوال السابقة ) لاحظ : الفلسفة الاسلامية للمظفر : 101 ـ 102. راجع : تصحيح الاعتقاد للشيخ المفيد 41، وكذلك : مطارح النظر في شرح الباب الحادي عشر للشيخ صفي الدين الطريحي : الفصل الثالث : 131ـ 162.
(11) نجد أنّ الشيخ المؤلف قد اوضح هذه المسألة من حيث أنّ الاَقوال فيها كما يلي: ـ
1 ـ الصفات زائدة على الذات، ولكنها لازمة لها أي واجبة الوجود أيضاً، هذا قول الاَشاعرة.
2 ـ قول الكرامية بأنّ الصفات زائدة على الذات ولكنها غير لازمة لها؛ لاَنّها لو كانت
لازمة لكانت واجبة الوجود وحينئذٍ يلزم تعدد واجب الوجود.
3ـ وقول بأن وجود الصفات نفس وجود الذات أي متحدة بالوجود مع تعدد الحيثية،
كتعدد حيثيات صفات الانسان ، فالنفس في وحدتها كل القوى أي وجودا.
4ـ وقول بأن هذا التعدد اعتباري ، أي ليس هناك تعدد في الوجود ولا في الحيثيات ،
وإنما يعتبرها الذهن ، ومنشأ الاعتبار هو نفس الذات .
فهذه الأقوال جميعا لا نرتضيها ؛ لأنها كلها غير صحيحة ، وإنما نشأ الخلط في دقة النظر
في فهم عينية الصفات للذات .
الأشاعرة لم يفهموا معنى عينية الصفات للذات وظنوا أن معنى ذلك أنه تعالى لا صفات
له ، والكرامية قالوا : إن الصفات لو كانت ملازمة للزم تعدد واجب الوجود ، والقائلون بتعدد
الحيثيات قالوا بأن هذا لا يثلم عقيدة التوحيد ، والقائلون بالاعتبار قالوا : إن القول بتعدد
الحيثيات غير معقول .
الفلسفة الاسلامية للشيخ المظفر : 100.
(12) نهج البلاغة: الخطبة 1 (من كلام له عليه السلام يذكر فيها ابتداء خلق السماء والاَرض)، الاحتجاج: 2|473 ح113.
(13) العدل هو الجزاء على العمل بقدر المستحق عليه، والظلم هو منع الحقوق، والله تعالى عدل كريم جواد متفضل رحيم قد ضمن الجزاء على الاعمال والعوض على المبتدئ من الآلام، ووعد التفضل بعد ذلك بزيادة من عنده، فقال تعالى (لِلّذينَ أحسَنُوا الحُسْنَى وزيادة) يونس 10: 26. فخبّر أنّ للمحسنين الثواب المستحق وزيادة من عنده، وقال: ( مَنْ جَاءَ بِالحَسَنَةِ فَلَهُ عَشْرُ أَمْثالِهَا) يعني له عشر أمثال ما يستحق عليها، ( وَمَنْ جَاءَ بِالسَّيِّئَةِ فِلا يُجزَى إلاّ مِثْلَها وَهُم لا يُظلَمون ) الانعام 6: 160. يريد أنّه لا يجازيه بأكثر مما يستحقه، ثم ضمن بعد ذلك العفو ووعد بالغفران. فقال سبحانه ( وإنّ ربّك لَذو مَغفِرةٍ للنَّاسِ على ظلمهم ) الرعد 13: 6. وقال سبحانه: ( إنّ الله لا يَغْفِر أن يُشركَ بِهِ ويَغفر مَا دُونَ ذَلِكَ لَمَنْ يَشاءُ ) النساء 4: 48... وقد أمر الله تعالى بالعدل ونهى عن الجور فقال تعالى: ( إنَّ الله يأمُر بِالعَدلَ والاِحْسـن ) النحل 16: 90.
تصحيح الاعتقاد للشيخ المفيد: 103.
(14) وتعتبر الشيعة الامامية العدل من أصول الدين وليس هو في الحقيقة اصلاً مستقلاً، بل هو مندرج في نعوت الحق ووجوب وجوده المستلزم لجامعيّته لصفات الجمال والكمال فهو شأن من شؤون التوحيد، ولكن الاَشاعرة لما خالفوا العدلية ـ وهم المعتزلة والامامية ـ فانكروا الحسن والقبح العقليين وقالوا: ليس الحسن إلاّ ما حسّنه الشرع وليس القبح إلاّ ما قبحه الشرع، وأنه تعالى لو خلد المطيع في جهنم والعاصي في الجنة لم يكن قبيحاً؛ لاَنّه يتصرف في ملكه ( لا يُسئَلُ عَمَّا يَفْعَل وَهُم يُسْئَلُونَ ) الانبياء 21: 23. أمّا العدلية فقالوا: انّ الحاكم في تلك النظريات هو العقل مستقلاً، ولا سبيل لحكم الشرع فيها إلاّ تأكيداً وارشاداً، والعقل يستقل بحسن بعض الاَفعال وقبح البعض الآخر ويحكم بأنّ القبيح محال على الله تعالى؛ لاَنّه حكيم وفعل القبيح مناف للحكمة وتعذيب المطيع ظلم والظلم قبيح وهو لا يقع منه تعالى.
وبهذا أثبتوا لله صفة العدل وأفردوها بالذكر دون سائر الصفات إشارة الى خلاف
الاشاعرة .
والعدلية بقاعدة الحسن والقبح العقليين اثبتوا جملة من القواعد الكلامية : كقاعدة
اللطف ، ووجوب شكر المنعم ، ووجوب النظر في المعجزة ، وعليها بنوا أيضا مسألة الجبر
والاختبار التي هي من معضلات المسائل .
للتفصيل راجع : أصل الشيعة واصولها للشيخ كاشف الغطاء : 230.
مطارح النظر للشيخ الطريحي : الفصل الرابع 164.
(15) والى ذلك ذهبت الاَشاعرة بقولهم إنّ الله تعالى قد فعل القبائح بأسرها من أنواع الظلم
والشرك والجور والعدوان ورضي بها وأحبّها ـ جل عن ذلك سبحانه وتعالى ـ. ولتفصيل
هذه الاَفكار الباطلة يراجع: نهج الحق للعلامة الحلّي: 85، شرح العقائد وحاشيتة للكستلي:
109 و113، الملل والنحل: 1|85، 88، 91، الفصل لابن حزم: 3|66 و69، شرح
التجريد للقوشجي: 373.
(16) الانبياء 21: 23.
(17) غافر 40: 31.
(18) البقرة 2: 205.
(19) الدخان 44: 38.
(20) الذاريات 51: 56.
(21) لا بد من معرفة أنّ حقيقة التكليف تعني: إرادة المريد من غيره ما فيه كلفة ومشقة.
فيكون عندئذ المرجع هو الارادة، بقرينة ما ذكر في التعريف من الكلفة والمشقة. وأردف
السيد الشريف المرتضى علم الهدى بعد ذلك بقوله ـ مصحّحاً القول: إنّ التكليف لا يحسن
إلاّ بعد اكمال العقل ونصب الادلّة ـ: (وأنه تعالى اكمل العقول وحصل سائر الشروط فلا بد
من أن يكلِّف، وهذا يدل على أن التكليف غير التعريف ). وقد بحث علماؤنا مباحث التكليف
بصورة مستفيضة ذاكرين وجوه المراد بالتكليف وتعلقها بالمكلِّف والمكلَّف وصفات المكلف، والغرض من هذا التكليف، والوجه
المجرى به إليه، وما الافعال التي يتناولها، وما المكلِّف الذي كلف هذه الاَفعال، وبأي
شيء مختص من الصفات حتى يحسن أو يجب تكليفه. والمعلوم أنّ هذا الموضوع هو
من بحوث الارادة الذي استحق من المتكلمين عناية وعنواناً مفرداً على أثر الاختلاف
العظيم بين العلماء وزعماء المذاهب في المشيئة الالهية المذكورة في آيات الذكر الحكيم
وتعلقها بأمور غير مرضية لديه سبحانه، ثمّ في تأويلها بوجوه لا تخلو عن التكلّف في
الاَكثر وأهمّها الآية 148 من سورة الاَنعام (سَيقوُل الّذين أشركُوا لو شاءَ الله ما أشركْنَا ولا
آباؤُنَا ولا حَرّمنا مِنْ شَيء كَذلِكَ كذّبَ الّذينَ مِنْ قَبْلِهِمْ حَتّى ذاقُوا بَأسَنَا قُلْ هَل عِنْدَكُم مِنْ
عِلْمٍ فَتُخْرِجُوهُ لَنا إنْ تَتَّبعونَ إلاّ الظَنَّ وإنْ أَنْتُمْ إلاّ تخرُصُون) والآية 20 من سورة
الزخرف: (وَقالُوا لَو شَاءَ الرّحمنُ ما عبدنهُمْ مَا لَهُم بِذلِكَ مِنْ عِلمٍ إنْ هم إلاّ يَخرُصوُنَ)
وآيات كثيرة توهم تعلق إرادة الخالق بما يستقبحهُ المخلوق تعالى الله عن ذلك علواً كبيراً.
ومن هذا يبدو أنّ شيخنا المظفر (قدس سره) أفرد عنواناً مستقلاً للتكليف سطر فيه ما
يمكن أن يختصر نظرية الامامية في هذا الباب، ذلك أنّ مدرسة أهل البيت عليهم السلام
لها موقف واضح معروف يؤكّد على تنزيه الرب الكريم سبحانه وتقديسه عن كل ما هو
قبيح أو شبه قبيح وشدة استنكارها بتعلّق مشيئة الله أو إرادته بشرك أو ظلم أو فاحشة قط،
فضلاً عن فعله أو خلق فعله أو الاَمر به؛ إذ كل ذلك سيقع خلافاً لحكمته وعدله وفضله.
ومحصلة القول ما ذكره الشيخ المفيد بقوله: إنّ الله تعالى لا يريد إلاّ ما حسن من الاَفعال،
ولا يشاء إلاّ الجميل من الاعمال، ولا يريد القبائح، ولا يشاء الفواحش ـ تعالى الله عمّا
يقول المبطلون علواً كبيراـ :
قال الله تعالى : ( وما الله يريد ظلماً للعباد) غافر 40 : 31.
وقال تعالى : ( يريد الله بكم اليسرة ولا يريد بكم العسر) البقرة 2 : 185.
وقال تعالى : ( يريد الله ليبين لكم ويهديكم سنن الذين من قبلكم ويتوب عليكم والله عليم حكيم ) النساء 4 : 26.
وقال تعالى : ( والله يرريد أن يتوب عليكم ويريد الذين يتبعون الشهوات أن تميلوا ميلاً
عظيماُ )النساء 4: 27.
وقال تعالى : ( يريد الله أن يخفف عنكم وخلق الانسن ضعيفا ) النساء 4: 28. فخبر سبحانه
أنه لا يريد بعباده العسر بل يريد بهم اليسر ، وأنه يريد لهم البيان ولا يريد لهم الضلال ،
ويريد التخفيف عنهم ولا يريد التثقيل عليهم ، فلو كان سبحانه مريدا لمعاصيهم
لنافى ذلك إرادة البيان لهم والتخفيف عنهم واليسر لهم . وكتاب الله تعالى شاهد بضد ما
ذهب اليه الضالون المفترون على الله الكذب . تعالى الله عما يقول الظالمون علوا كلبيرا.
لاحظ : الذخيرة للسيد المرتضى : 105، تصحيح الاعتقاد للشيخ المفيد : المجلد 5 من مصنفات الشيخ المفيد : 48ـ51.
(22) ويدلّ عليه ما ورد في كتاب الله تعالى من قوله: (فَسْئَلُوا أَهلَ الذِّكْرِ إنْ كُنْتُمْ لا تَعْلَمُون) النحل 16: 43 وقوله تعالى: (فَلَولا نَفَرَ مِنْ كُلِّ فِرْقَةٍ مِنْهُمْ طائِفَةٌ لِيَتَفَقَّهوا في الدِّين ولُينذرِوا قَوْمَهُمْ إذا رَجَعوا إليْهِمْ لَعَلَّهُمْ يَحْذَرون) التوبة 9: 122.
ويدلّ عليه أيضاً قول الامام الصادق عليه السلام عندما سئل عن قوله تعالى: (قلْ فَلِلّهِ
الحُجَّةُ البالِغَةُ) الانعام 6: 149. فقال عليه السلام: «إنّ الله تعالى يقول للعبد يوم القيامة
عبدي أكنت عالماً؟ فان قال نعم قال له: أفلا عملت بما علمت؟! وإن قال: كنت
جاهلاً، قال
له: أفلا تعلّمت حتى تعمل؟! فيخصم، فتلك الحجة البالغة». الاَمالي للشيخ الطوسي: 9
ح10|10. ونقله عنه: البحار: 2|29 ح10.
والحديث الوارد عن الامام الصادق عليه السلام : (عليكم بالتفقه في دين الله ، ولا تكونوا
أعرابا ؛ فانه من لم يتفقه في دين الله لم ينظر الله اليه يوم القيامة ولم يزك له عملا .)الكافي :1/24 ح7.
كما ورد في الرسائل العملية للعلماء الأعلام : يجب على المكلف تعلم مسائل الشك والسهو التي في معرض ابتلائه لئلا يقع ـ لولا التعلم ـ في مخالفة تكليف إلزامي متوجه اليه عند طروهما . لاحظ منهاج الصالحين للسيد السيستاني : العبادات / مسألة 19ص13.
(23) ومنهم الاشاعرة الذين ذهبوا الى انكار السببية ، وانحصار السبب في الله تعالى ،وقالوا : ان
النار ـ مثلا ـ لا تحرق شيئا بل عادة الله جرت على احراق الثوب المماس بها مثلا من دون
مدخلية للنار في الاحراق . وبذلك فقد ذهبوا الى ان افعال العباد مخلوقة له تعالى من دون
دخل للعباد فيها ، أي أن العبد لا أثر له في ايجاد الفعل . راجع : بداية المعارف
الالهية : 1/159 وما بعدها .
ولا يخفى على من تتبع كتب الامامية انهم يبطلون الجبر خلافا للاشاعرة ، كما يبطلون
التفويض خلافا للمعتزلة ، فقد روي عن الامام ابي الحسن علي بن محمد الهادي عليه
السلام انه سئل عن افعال العباد فقيل له : هل هي مخلوقة لله تعالى ؟ فقال عليه السلام :
(لو كان خالقا لها لما تبرأ منها وقد قال سبحانه ( إن الله بريء من المشركين ورسوله )[ التوبة
9: 3] ولم يرد البراءة من خلق ذواتهم وانما تبرأ من شركهم وقبائحهم).
لاحظ : تصحيح الاعتقاد من مصنفات الشيخ المفيد : 5/43 ، بحار الانوار: 5/20 .
(24) وهم الذين نفوا حقيقة الجبر ، وأكثرهم المعتزلة ممن قالوا أن الفعل مفوض الينا ، ولا مدخلية
فيه لا رادته وإذنه تعالى، والذي أوجب هذا الزعم الفاسد هو الاحتراز عن نسبة المعاصي
والفكر والقبائح إليه تعالى. والتفويض هو القول برفع الحظر عن الخلق في الأفعال والاباحة
لهم مع ما شاؤوا من الاعمال وهذا قول الزنادقة وأصحاب الاباحات.
راجع: تصحيح الاعتقاد من مصنفات الشيخ المفيد: 5/ 47، بداية المعارف الإلهية: 1/ 166.
(25) ومن المستحسن أن نذكر في هذا الصدد ما رواه الاَصبغ بن نباته في حديث طويل: «إنّ شيخاً
قام إلى أمير المؤمنين عليه السلام في منصرفه عن صفين فقال: أخبرنا عن مسيرنا إلى
الشام أكان بقضاء الله وقدره؟ فقال: والذي فلق الحبّة، وبرأ النسمة، ما وطأنا موطئاً، ولا
هبطنا وادياً إلاّ بقضاء الله وقدره، فقال الشيخ: عند الله تعالى احتسب عنائي؛ ما أرى لي من
الأجر شيئاً. فقال له عليه السلام: مه! أيّها الشيخ! لقد عظّم الله أجركم في مسيركم وانتم
سائرون. وفي منصرفكم وأنتم منصرفون، ولم تكونوا في شيء من حالاتكم مكرهين ولا
إليها مضطرين. فقال الشيخ: فكيف والقضاء والقدر ساقانا؟ فقال عليه السلام: ويحك لعلك
ظننت قضاءاً لازماً وقدراً حتماً؟ لو كان ذلك كذلك لبطل الثواب والعقاب، والوعد
والوعيد، والامر والنهي، ولم تأت لائمة من الله لمذنب ولا محمدة لمحسن ولم يكن
المحسن أولى بالمدح من المسيء، ولا المسيء أولى بالذم من المحسن. تلك مقالة
عبدة الأوثان، وجنود الشيطان، وشهود الزور وأهل العمى عن الصواب. وهم قدرية هذه
الامة ومجوسها؛ إنّ الله تعالى أمر تخييراً ونهى تحذيراً، وكلّف يسيراً. لم يعص مغلوباً،
ولم يطع مكرهاً، ولم يرسل الرسل عبثاً، ولم يخلق السماوات والأرض وما بينهما باطلاً
( ذَلِكَ ظَنُّ الّذينَ كَفروُا فَوَيلٌ للّذينَ كفَرُوا مِنَ النَّارِ ) [سورة ص 38: 27]. فقال الشيخ:
وما القضاء والقدر اللذان ما سرنا إلاّ بهما؟ فقال عليه السلام: هو الأمر من الله تعالى
والحكم، وتلى قوله تعالى: ( وَقَضَى ربُّكَ الاَّ تَعْبُدُوا إِلاَّ إيّاهُ ) [الاسراء 17: 23] فنهض
الشيخ مسروراً وهو يقول:
أنت الامام الذي نرجوا بطاعته * يوم النشور من الرحمن رضوانا
أوضحت من ديننا ما كان ملتبساً * جزاك ربّك عنّا منه إحساناً
شرح نهج البلاغة: 18|227.
وأسند ابن عساكر هذا الحديث عن ابن عباس في تاريخ دمشق: 3|231، وذكره الشيخ الصدوق في التوحيد: 380، تجريد الاعتقاد بتحقيق محمد جواد الحسيني الجلالي: 200، عقائد الاسلام من القرآن الكريم: 455.
(26) قال الشيخ المفيد في تصحيح الاعتقاد: 47(والواسطة بين هذين القولين ـ أي الجبر والتفويض ـ أنّ الله تعالى أقدر الخلق على أفعالهم، ومكّنهم من أعمالهم، وحدّ لهم الحدود في ذلك، ورسم لهم الرسوم، ونهاهم عن القبائح بالزجر والتخويف والوعد والوعيد، فلم يكن بتمكينهم من الأعمال مجبراً لهم عليها، ولم يفوّض إليهم الأعمال لمنعهم من أكثرها، ووضع الحدود لهم فيها، وأمرهم بحسنها، ونهاهم عن قبيحها، فهذا هو الفصل بين الجبر والتفويض) مصنّفات الشيخ المفيد المجلد الخامس.
(27) الكافي: 1|160 ح13، الاحتجاج: 2|490، التوحيد: 362، الاعتقادات للشيخ الصدوق: 10، تصحيح الاعتقاد من مصنفات الشيخ المفيد: 5|46.
(28) سأل أبو حنيفة الامام أبا الحسن موسى بن جعفر عليه السلام عن أفعال العباد، ممن هي؟ فقال له عليه السلام: «إنّ أفعال العباد لا تخلو من ثلاثة منازل؛ إمّا أن تكون من الله تعالى خاصّة، أو من الله ومن العبد على وجه الاشتراك فيها، أو من العبد خاصّة. فلو كانت من الله تعالى خاصة لكان أولى بالحمد على حسنها والذم على قبحها ولم يتعلق بغيره حمد ولا لوم فيها. ولو كانت من الله ومن العبد لكان الحمد لهما معاً فيها والذم عليهما جميعاً فيها، وإذا بطل هذان الوجهان ثبت انها من الخلق، فان عاقبهم الله تعالى على جنايتهم بها فله ذلك، وإن عفا عنهم فهو أهل التقوى وأهل المغفرة».
تصحيح الاعتقاد من مصنفات الشيخ المفيد: 5|44.
(29) لخّص الشيخ المظفر في محاضراته الفلسفية هذه الفكرة الدقيقة بقوله: (كلّ من المجبّرة والمفوّضة نظروا إلى جهة وغفلوا عن الجهة الاخرى، ولكن الانسان يجب أن يكون ذا عينين
لا ذا عين واحدة، فمن نظر بعين واحدة كان أعور، ينظر إلى إفاضة الوجود من جهة واحده فيتصور أنّ الناس مجبورون، وينظر من الجهة الاخرى وهو أنّ الناس يعملون اعمالهم باختيارهم فيتخيل أنّهم مفوضون، ولكن لو انقطع فيض الله تعالى عني لحظة واحدة لانعدمت وانعدمت أفعالي وأنا أسبح في سلطانه وعظمته.
معنى الجبر: أنّ فاعل ما منه الوجود هو فاعل ما به الوجود، وهو الله تعالى، ومعنى التفويض: أنّ العبد هو فاعل ما به الوجود وما منه الوجود، ولكن القوم لم يلتفتوا إلى هذه النكتة، وهي أنّ العبد فاعل ما به الوجود، والله تعالى فاعل ما منه الوجود، فمن ناحية فاعل ما به الوجود لا جبر، ومن ناحية فاعل ما منه الوجود لا تفويض، فيصحّ في العقل ما جاء في الاثر عن أهل البيت عليهم السلام: «لا جبر ولا تفويض ولكن أمر بين أمرين»).
الفلسفة الاسلامية: 84.
(30) إكمال الدين: 69.
(31) المصدر السابق: 70.
(32) التوحيد: 336 ح10، إكمال الدين: 69، تصحيح الاعتقاد من مصنّفات الشيخ المفيد: 5|66. وقد أوضح الشيخ المفيد معنى الحديث بقوله: (أراد به عليه السلام ما ظهر من الله تعالى فيه من دفاع القتل عنه، وقد كان مخوفاً عليه من ذلك مظنوناً به، فلطف له في دفعه عنه.
وقد جاء الخبر بذلك عن الصادق عليه السلام، فروي عنه أنّه قال: «كان القتل قد كتب على اسماعيل مرّتين فسألت الله في دفعه عنه فدفعه»، وقد يكون الشيء مكتوباً بشرط فيتغيّر الحال فيه).
(33) الرعد 13: 39.
(34) قال تعالى: ( فَلمّا بَلَغَ مَعَهُ السَّعيَ قالَ يبنَيَّ إنّي أرَى في المَنامِ أَنِّي أَذْبَحُكَ فَانْظُرُ مَاذا تَرىَ قال يا أَبَتِ افْعَل مَا تُؤمَرُ سَتَجدُنِي إِنْ شَاءَ اللهُ مِنَ الصَّابِرينَ * فَلَمّا أَسْلَما وَتَلّهُ لِلجبيِن* وَنادَيْناهُ أَنْ يا إبراهِيمُ * قَدْ صَدَّقْتَ الرُّؤيا إِنّا كذلِكَ نَجْزِي المُحسِنينَ * إنّ هَذا لَهُوَ البلـوءُ المُبيِنُ * وَفَدَيْنهُ بِذِبْحٍ عَظيمٍ ) الصافات 37: 102 ـ 107.
(35) ونجد أنّ مجموعة من الشيعة ـ وعلى الرغم ممّا فعله الامام الصادق عليه السلام، وما قاله في وفاة وتجهيز وتكفين ولده اسماعيل ـ قالوا بإمامة اسماعيل بعد أبيه الامام الصادق عليه السلام، وهؤلاء هم الذين يدعون بـ «الاسماعيلية»، وهم يفترقون عن الشيعة الامامية بقولهم: إنّ الامامة بعد الامام الصادق عليه السلام انتقلت الى ولده الاكبر اسماععيل ويزعمون ان الامام الصادق عليه السلام نص عليه في حياته. وقد اختلفوا في اسماعيل، فمنهم من قال بموته في حياة أبيه ـ وهو الثابت والمتواتر تأريخياً كما يشير إليه المصنّف هنا ـ وهؤلاء قالوا بأنّ الامامة تبقى في ذريته، وأولهم محمد بن اسماعيل وقسم منهم يقول بأنّه أي اسماعيل ـ لم يمت وإنّما أظهر أبوه عليه السلام موته تقيّةً من العباسيين، وأشهد على موته وتجهيزه عامل المنصور بالمدينة محمد بن سليمان، وهؤلاء بين من وقف على محمد بن إسماعيل ولم يتجاوزه إلى غيره ـ وهم المسمّون بالواقفة ـ ، وبين من تعدّى عن محمد بن إسماعيل وجعل الامامة في سبعة سبعة؛ بين ظاهر ومستور كأيّام الاسبوع وعدد السموات والاَرضين والاَفلاك، وانّ أول سبعة ظاهرين يبدأون من الامام علي عليه السلام وينتهون باسماعيل، وأوّل سبعة مستورين يبدأون بمحمد بن اسماعيل، ثمّ ولده جعفر المصدّق، ثمّ ولده محمد الحبيب، ثم عبدالله المهدي الذي ظهر في شمال افريقيه ومن ولده تكونت الدولة الفاطمية.
راجع، فرق الشيعة: 67، الفصول المختارة من العيون والمحاسن: 308، الشيعة بين الاَشاعرة والمعتزلة: 78، تاريخ المذاهب الاسلامية: 54، الملل والنحل للشهرستاني: 1|149، الفرق بين الفرق: 62.
(36) يذكر الامام الشيخ محمد الحسين كاشف الغطاء في هذا الصدد قوله: (البداء في عالم التكوين كالنسخ في عالم التشريع، فكما أنّ لنسخ الحكم وتبديله بحكم آخر مصالح وأسراراً بعضها غامض وبعضها ظاهر فكذلك في الاخفاء والابداء في عالم التكوين، على أنّ قسماً من البداء يكون من اطّلاع النفوس المتّصلة بالملأ الأعلى على الشيء وعدم اطّلاعها على شرطه أو مانعه. مثلاً اطّلع عيسى عليه السلام أنّ العروس يموت ليلة زفافه، ولكن لم يطّلع على أنّ ذلك مشروط بعدم صدقة أهله، فاتفق أنّ أمه تصدّقت عنه، وكان عيسى عليه السلام أخبر بموته ليلة عرسه فلم يمت وسئل عن ذلك فقال: «لعلّكم تصدّقتم عنه والصدقة قد تدفع البلاء المبرم» وهكذا نظائرها... ولولا البداء لم يكن وجه للصدقة، ولا للدعاء، ولا للشفاعة، ولا لبكاء الأنبياء والأولياء وشدّة خوفهم وحذرهم من الله مع أنّهم لم يخالفوه طرفة عين، إنّما خوفهم من ذلك العلم المصون المخزون الذي لم يطّلع عليه أحد).
أصل الشيعة وأصولها: 314.
(37) قال تعالى: ( مَا فَرَّطْنَا فِي الكِتَابِ مِن شَيءٍ ) الانعام 6: 38. وورد في الحديث: «ما من أمر يختلف فيه اثنان إلاّ وله أصل في كتاب الله» الكافي: 1|78 ح6. وورد أيضاً. «ما من حادثة إلاّ ولله فيها حكم» البحار: 93|91.
(38) قالت الاَشاعرة: إنّ الحسن والقبح شرعيان، ولا يقضي العقل بحسن شيء منها ولا بقبحه، بل القاضي بذلك هو الشرع، فما حسّنه فهو حسن وما قبّحه فهو قبيح.
لاحظ: نهج الحق: 83، الملل والنحل: 1|89، شرح التجريد للقوشجي: 375.