المبحث الثالث
منهج علم الأصول


هناك منهجان في تصنيف علم الأصول وطريقة تبويبة وترتيبة :

1 ـ المنهج التقليدي .


2 ـ المنهج المقترح عندنا .
المنهج الأول : كان القدماء يقسمون علم الأصول لأربعة أقسام :
1 ـ المقدمة في الوضع والاستعمال والصحيح والأعم والحقيقة الشرعية والمشتق ونحوها .
2 ـ مباحث الألفاظ كباب الأوامر والنواهي والعام والخاص والمطلق والمقيد والمفهوم والمنطوق .
3 ـ مباحث الدليل ، وهو إما سمعي كالكتاب الذي يبحث عن حجية ظواهره والسنة التي يبحث عن كيفية ثبوتها وما يتعلق به من تعارض الجرح والتعديل في الرواة وتحقيق واقعية بعض كتب الحديث كفقه الرضا مثلاً والاجماع وأنواعه من المحصل والمنقول ، وإما عقلي ويبحث فيه عن الحسن والقبح العقليين وقاعدة الملازمة بين حكم العقل وحكم الشرع واصالة العدم وعدم الدليل دليل العدم ومبحث الاستصحاب والقياس .
4 ـ الخاتمة في التعادل والتراجيح .
ولعل السر في هذا المنهج ان موضوع علم الأصول كما ذكر السيد المرتضى في الذريعة هو: الدليل في الفقه ، فلما كان محور علم الأصول هو

( 32 )

الدليل الفقهي كان مدار أبحاثه حول الدليل نفسه وأقسامه من السمعي والعقلي، وعوارضه الثبوتية كالاطلاق والتقييد والتعادل والتراجيح والتضاد والتلازم والاثباتية كمباحث الأوامر والنواهي والعام والخاص والمنطوق والمفهوم .
وهناك اعتراضان مهمان على طريقة المنهج القدمائي ، الأول : هو الاعتراض على القسم المدون في أصول القدماء للبحث عن الدليل وأقسامه ، حيث أبدله الشيخ الأنصاري بتصنيف علم الأصول على طبق الحالات الوجدانية للمكلف عند التفاته للحكم الشرعي وهي القطع والظن والشك، فهنا أقسام :
1 ـ بحث القطع التفصيلي والإجمالي .
2 ـ بحث الظن المعتبر وغيره بما يشمل سائر الظنون ، ومنها الظواهر المبحوث عنها من حيث الكبرى وهي حجية الظهور ومن حيث الصغرى وهي تنقيح المصاديق كمباحث الألفاظ السابق ذكرها، ويدخل في ذلك بحث التعادل والتراجيح ايضاً فإنه راجع للبحث عن الظنون أيضاً وإن ذكر في الخاتمة، فإن الدليلين إذا تقابلا فإما أن يحصل الظن بأحدهما من حيث الجهة أو الصدور أو المضمون وهذا هو الترجيح ، وإما أن لا يحصل الظن بشيء من ذلك وهو التعادل المرتبط بحثه بباب الظن سواءً قلنا بالتخييرعند التكافؤ، أو قلنا بالتساقط .
3 ـ بحث الشك الذي يشتمل على الأصول العملية الأربعة لكونها وظيفة الشاك . ولعل النكته التي دفعت بالشيخ الأعظم لاختيار هذا التبوب تتلخص في أمور:
أ ـ إن علم الأصول مقدمة لعلم الفقه ومن الطبيعي عدم امكان تحديد ملامح المقدمة الا بمعرفة ملامح ذي المقدمة فإن ذلك مقتضى مقدميتها .

( 33 )

ب ـ لما كان علم الفقه يبحث عن تحديد الحكم الشرعي فالمناسب لعلم الأصول البحث عن الطرق الموصلة لتحديد الحكم الشرعي ، ولما كانت الطرق تختلف باختلاف الواقع النفسي للمكلف حين توجهه للحكم ، باعتبار أن قطع المكلف بشيء يمنع من عمله بالامارة او الأصل ، كما ان الظن بالخلاف يمنع من الأخذ بالامارة والأصل على بعض المباني ، وكذلك على القول بالظن الانسدادي لا مجال للعمل بغير الظن ، فحينئذٍ يكون تصنيف علم الأصول مطابقاً للحالة الوجدانية للمكلف .
ج ـ حيث أن الاتجاه النفسي للمكلف حين التفاته للحكم الشرعي إما القطع بالحكم أو الظن به أو الشك فيه كان المنهج في تبويب علم الأصول منظماً على طبق ذلك .

وقد اعترض على المنهج المذكور باعتراضين :


الأول:

ان التصنيف الناظر للحالات النفسية قد أغفل كثيراً من المباحث الحيوية ذات الربط المباشر بالجانب العملي لدى الفقيه ، إذ لا مناسبة واضحة بينها وبين هذا التصنيف كبحث الحسن والقبح العقليين ، وبحث الملازمة بين حكم العقل وحكم الشرع ، وبحث طرق ثبوت السنة بالتواتر والأحاد وبحث أقسام التواتر، وبحث شرائط حجية خبر الواحد من صحة المضمون عقلاً وشرعاً ووثاقة الرواة ، وبحث مناشئ الوثاقة كقول الرجالي الذي يبحث عن حجيته وأنها هل هي من باب كونه من أهل الخبرة أو من باب شهادة العدلين أو من باب حجية خبر الثقة ، وبحث تمييز المراسيل المعتمدة من غيرها، فهذه البحوث رغم كونها مهمة وعملية إلا أنها لا تنسجم مع التصنيف المذكور المرتب على حالات القطع والظن والشك ، بينما نجدها منسجمة تماماً مع منهج القدماء المبني على النظر للدليل الفقهي العقلي والسمعي وطرق إثبات هذا الدليل .

( 34 )

الثاني : إن هذه الحالات النفسية الثلاث لا علاقة لها بالحكم الشرعي ولا بالطرق المؤدية له فلا وجه لجعل التصنيف الأصولي دائراً مدارها، أما بالنسبة للقطع فما هو المبرر للبحث عنه وجعله محوراً لعدة من البحوث ؟ فإن كان المبرر للبحث عنه كونه واسطة في جعل الحكم الشرعي فذلك مستحيل لأن ثبوت الحكم الشرعي بسبب القطع به دور باطل كما ذكر في علم الأصول ، وان كان المبرر للبحث كونه واسطة فى فعلية الحكم كموضوعية الزوال لوجوب الصلاة فهذه ليست ميزة خاصة بالقطع توجب البحث عنه بعنوانه بل هي متوفرة في كل موضوع بالنسبة لأي حكم من الأحكام ، وان كان المبرر لذلك كون القطع منشأ للحكم العقلي بالمنجزية والمعذرية كما اشتهر في كتب الأصول بان حجية القطع ذاتية له ، فيلاحظ عليه بان منشأ المنجزية والمعذرية ليس القطع بما هو قطع حتى يكون ذلك مصححاً ومبرراً للبحث عن القطع بعنوانه بل منشأ المعذرية وعدمها هو روح المسؤولية وروح التقصير في مقدمات الحكم ، فإن سار المكلف مع المقدمات بروح المحاسبة والمسؤولية فهو معذورعند مخالفة الواقع والا فهو مدان سواءاً في ذلك وجود القطع وعلمه ، فإننا ذكرنا في بحث القطع الفرق بين اليقين الذاتي واليقين الموضوعي فاليقين الموضوعي هو اليقين الناشيء عن تراكم الاحتمالات والقرائن في محور واحد ، وهذا العمل بذاته عمل معذر لأنه مستبطن للمسؤولية والمحاسبة الداخلية سواءاً كان هناك قطع ام لا ، واليقين الذاتي هو الناشيء عن العوامل المزاجية والنفسية كالحلم والاستخارة، وهذا ليس معذراً بنظر العقلاء فإن قائد الجيش لو اعتمد على معلومات ناشئة عن مصادر واهية أوجبت له القطع بأمر معين فرتب عليه آثار الحرب والسلم لا يكون معذوراً أمام القانون والشعب ، وليس السر في ذلك الا أن القطع بما هو قطع ليس هو مدار المعذرية والمنجزية بل المدار على روح المسؤولية وروح التقصير في مقدمات الحكم سواءاً كان هناك قطع أم لا، ولذلك نرى القرآن

( 35 )

يعبر عن عقائد الجاهلية مع أنها عقائد قطعية عندهم بانها ظنون وجهالات لا يعذرون فيها، وبناءاً على ذلك فلا موضوعية مهمة للقطع بما هو قطع حتى يكون محوراً للبحوث العلمية.
وأما البحث في الامارات كخبر الواحد والاجماع بقسميه والشهرة وقول اللغوي فهو لا يدور مدار الظن الشخصي كما هو ظاهر تقسيم الشيخ ، بل هو دائر مدار الكشف النوعي وتتميمه من قبل المجتمع العقلائي أو الشرع المقدس .
كما أن البحث في حجية الظاهر يدور مدار الميثاق العقلائي على الالتزام والالزام بهذا الظاهر وترتيب الآثار عليه سواءاً كان هناك ظن شخصي أم لا .
وأما البحث في الأصول العملية فهو لا يرتبط بحالة الشك وتساوي الطرفين ، فإن موضوع أصالة البراءة عقلاً وشرعاً هو عدم العلم وعدم تنجز العلم الاجمالي لا الشك ، وموضوع الاستصحاب هو عدم العلم بانتقاض الحالة السابقة لا الشك أيضاً .
فتبين لنا من خلال هذا العرض عدم مدخلية هذه الحالات النفسية في البحث الأصولي المنصب على تحديد الطريق الموصل للحكم الشرعي .
ولكننا مع ذلك اعتذرنا عن تقسيم الشيخ الأنصاري لبحوث علم الأصول على طبق حالات نفس المكلف في بحث القطع كما سيأتي ، وقلنا بأن هناك عاملين يساعدان على هذا التقسيم :
أولاً : إن المحيط الثقافي الذي كان يعيش فيه الشيخ فرض عليه هذا التصنيف ، لوجود مدرستين متطرفتين آنذاك : مدرسة المحدثين المفرطة في الجمود على الحديث دون النظر للأدلة العقلية القطعية ومدرسة بعض الأصوليين المفرطة في الاعتماد على بعض الظنون الشخصية بحجة انسداد باب

( 36 )

العلم والعلمي ، فاثار الشيخ حركة تنهج الاعتدال والتوسط بين هاتين المدرستين ، وهي المدرسة التي تعتمد على الأدلة القطعية العقلية من جهة وهي المندرجة تحت عنوان القطع والأدلة الظنية السمعية من جهة أخرى وهي المندرجة تحت عنوان الظن ، والرجوع عند فقدهما للأصل العملي المجعول وظيفة عند الشك .
وثانياً : إن المكلف يشعر في أعماق وجدانه بالحاجة للتأمين من عقوبة ترك التكاليف الواقعية فهدفه المنشود هو حصول الأمن المذكور، وطرق التأمين بحسب التقسيم الوجداني ثلاثة :
1 ـ ما هو علة تامة لحصول الأمن وهو القطع .
2 ـ ما هو مقتضى لحصول الأمن النفسي وهو الظن .
3 ـ ما هو فاقد للعلية التامة والاقتضاء وهو الشك فتحتاج طريقيته للتأمين للرجوع إلى القطع وهو الطريق الأول .
والخلاصة أن أمثال هذه المبررات ساعدت الشيخ على اختيار التصنيف الثلاثي .

الاعتراض الثاني على منهج القدماء :

ما طرحه المحقق الاصفهاني (قده) حول التوسع الأصولي في مباحث الألفاظ (1)، ونحن نعرضه بنحو أعمق وأشمل ، فنقول : إن ما يرتبط من البحوث بعالم الألفاظ نزر ضئيل جداً ، كقولنا هل أن صيغة الأمر ظاهرة في الوجوب ، وهل أن صيغة النهي ظاهرة في الحرمة ، وبعض بحوث المفاهيم والعام والخاص والمطلق والمقيد ، ولكن معظم الأبحاث التي وضعها القدماء في مباحث الألفاظ لا ربط لها بذلك ، فمثلاً بحث انقسام الحكم للتكليفي والوضعي وانقسام الواجب للواجب التوصلي
____________
(1) اصول الفقه للمظفر 1 : 7 ـ 8، بحوث في الأصول للمحقق الاصفهاني : 22 .

( 37 )

والتعبدي والتعييني والتخييري والعيني والكفائي والنفسي والغيري والموسع والمضيق والمطلق والمشروط كلها مرتبطة بالواجب بما هو سواءاً كان مدلولاً لفظياً أم لا ، وكذلك بحث عوارض الأحكام كالانحلال الاستقلالي والضمني والاطلاق والتقييد الثبوتيين والتضاد والتلازم ، كما في بحث مقدمة الواجب ومسألة الضد الباحثين عن تلازم الوجوب النفسي والغيري وتلازم الأمر بالشيء مع النهي عن ضده ، وبحث ارتباط الحكم بالقدرة ودرجاتها المختلفة الذي هو بحث التزاحم ، فهذه البحوث لا ربط لها بعالم اللفظ حتى تندرج في مباحث الألفاظ ، ولكننا نستطيع وضع بعض المبررات والتوجيهات لتوسعة مباحث الألفاظ بحيث تشمل هذه البحوث :
1) لا ريب في دلالة الألفاظ على هذه المعاني الأصولية المذكورة في الاعتراض سواءاً بالدلالة المطابقية أو بالدلالة التضمنية أو بالالتزامية، ومع وجود دلالة الالفاظ عليها فالمصحح لإدراجها في مباحث الألفاظ واضح وهو دلالة اللفظ عليها .
2) إن الاعتبارات الأدبية والقانونية لها نوع من الخلاقية والفعالية في النفوس والمشاعر، ولا ريب أن مجرد الاعتبار بما هو لا يحقق هذه الخلاقية المطلوبة وانما يحققها إذا كان في ضمن لفظ مناسب ، فاللفظ المناسب للاعتبار الأدبي والقانوني يبرز خلاقية الاعتبار وتاثيره السحري في النفوس والمشاعر الذي هو المطلوب .
3) إن هناك مسلكين في علاقة اللفظ بالمعنى الانشائي ، فمسلك السيد الاستاذ الخوئي (قده) مسلك الحكاية والابراز أي أن اللفظ حاك عن المعنى الانشائي ومبرز له ، ومسلك المشهور أن علاقة اللفظ بالمعنى الانشائي علاقة الايجاد فاللفظ موجد للمعنى لا حاك عنه ، وبما أن هذه العلاقة الوثيقة موجودة بين الانشاء واللفظ لذلك كان التعرف على هذه الاعتبارات من خلال ألفاظها

( 38 )

الموجدة لها تعرفاً دقيقاً، لأنه يعكس المعنى من ثنايا اللفظ الذي وجد به بخلاف ما لو بحث عنه مجرداً عن كل خطاب ولفظ .
4) لقد قال علماء الاجتماع والتاريخ بان اللغة دليل حضارة المجتمع ، فاللغة المتكاملة تعكس تكامل المجتمع فسعة آفاقها واشتمالها على المفردات القانونية والصناعية والفنية كاشف عن حضارة المجتمع وتطوره ، كما أن اللغة لسان معبر عن نوع التفكير الاجتماعي ، فمثلاً الجملة الاسنادية في اللغة العربية نحو زيد قائم لا تشتمل الا على طرفين موضوع ومحمول مما يدل على كون النسبة الاسنادية بالمفهوم العربي تعني اتحاد الطرفين وجوداً والهوهوية المصداقية بينهما، بينما هذه الجملة في اللغة الفارسية واليونانية تحتاج لرابط وهي كلمة ـ است ـ أو ـ استين ـ مضافاً لوجود الموضوع والمحمول مما يدل على كون مفهومها في الفكر الفارسي عبارة عن ثبوت شيء لشيء ـ أي ثبوت القيام لزيد ـ وهذا المفهوم يحتفظ بالغيرية والاثنينية بين طرفي القضية بخلاف المفهوم العربي الذي يعكس الوحدة والاندماج ، فاللغة إذن دليل على نوع التفكير الاجتماعي ، ومثال آخر على ذلك أيضاً اختلاف الأصوليين في مفهوم صيغة افعل نحو اضرب ، فهل مفهومها النسبة الاغرائية كما يرى المحقق الاصفهاني ، أو النسبة الايقاعية كما يرى النائيني ، أو النسبة التسخيرية أي اعتبار المخاطب أداه لتحقيق هذا الحدث في الخارج كما يراه صاحب الميزان (قده)، فهذه المفاهيم في الواقع تعكس الفكر الاجتماعي الذي ينتسب له كل واحد من هؤلاء الأعاظم ، فكل مجتمع يختلف تحليله لبعض الاعتبارات القانونية نتيجة اختلاف حضارته وثقافته عن المجتمع الأخر، وبناءاً على هذه العلاقة الوثيقة بين اللغة وبين المفهوم الذى تحمله بين ثناياها بحيث لو تغيرت اللغة لزالت بعض خصوصيات أو مقومات المفهوم كما لاحظنا في اختلافي مفهوم الجملة الاسنادية عند العرب وغيرهم ، يصعب التفكيك حينئذٍ بين الاعتبار القانوني

( 39 )

واللفظ المعبرعنه بحيث نبحث عن الاعتبار مجرداً عن ثوبه اللفظي مع أن هذه الصياغة اللفظية تحافظ على بعض خصوصيات المفهوم وسماته .
5) إن الاعتبار القانوني متولد عن الاعتبار الأدبي ، وبما أن الاعتبار الأدبي متقوم باللفظ فكذلك الاعتبار القانوني المتفرع عنه شديد العلاقة باللفظ بحيث لا يفيد البحث فيه مستقلاً عن لفظه .
بيان ذلك : إننا عندما نلاحظ مثلا كلمة حاتماً نراها في الأصل تعبرعن شخص معين متصف بالكرم ثم اطلقت على كل شخص يشابه حاتما في صفة الكرم ، وبمرور الوقت وكثرة الاستعمال والتطبيق أي تطبيقها على كل كريم اكتسبت الكلمة مفهوماً خلقياً وهو نفس مفهوم الكرم بحيث إذا سمعت لا يتبادر للأذهان سوى معنى الكرم من دون التفات لشخص حاتم الطائي أصلاً، فالاعتبار الأدبي قد يتحول بمرور الوقت لمفهوم معين فكذلك بالنسبة لعلاقته بالاعتبار القانوني ، فكلمة الميتة أساساً تعني ما مات حتف أنفه ثم أطلقت على نحو الاعتبار الأدبي القائم على علاقة التشابه على الحيوان المذبوح على غير الطريقة القانونية ، وبمرور الوقت وكثرة الاستعمال والتطبيق اكتسبت هذه الكلمة اعتباراً قانونياً وهو أن الميتة تعني المذبوح على غير الطريق القانوني من دون نظر لمعناها اللغوي .
ومثلها لفظ الدينار مثلاً فهو في الأصل يعني مثقالاً من الذهب تقاس به قيمة الأشياء كقولنا هذه الأرض تساوي مائة دينار، ثم صار يطلق على نحو الاعتبار الأدبي على الأوراق النقدية من أجل أن يتعامل معها المجتمع معاملة الدينار الأصلي في كونه وسيطاً في تبادل السلع ومقياساً لتحديد قيمة الأشياء، وبمرور الوقت وكثرة الاستعمال تحول هذا الاعتبار الأدبي للاعتبار القانوني فاصبح الدينار يعني نفس الورقة النقدية التي هي مقياس القيم وواسطة التبادل . وإذا اتضح لنا أن الاعتبار القانوني وليد الاعتبار الأدبي ، والمفروض

( 40 )

أن الاعتبار الأدبي متقوم باللفظ لأن الاعتبار الأدبي هو اعطاء حد شيء لشيء آخر بهدف التأثير في مشاعر المخاطب فلا ينفصل الاعتبار الأدبي عن اللفظ ، وبما أن الاعتبار القانوني متولد منه فلا محالة لا يمكن التفكيك في البحث بين نفس الاعتبار واللفظ المساهم في تحققه وفعاليته .
فهذه بعض المبررات التي نتصورها في توسعة مباحث الألفاظ عند القدماء وإن كان بعضها موضع المناقشة، ومع ذلك فقد أصر المحقق الاصفهاني (قده) على فصل بحث مقدمة الواجب ومسالة الضد عن مباحث الألفاظ ، باعتبار أن البحث فيهما يرتبط بالملازمة العقلية المدركة بالعقل النظري بين وجوب شيء ووجوب مقدمته ووجوب شيء وحرمة ضده ، ولا ربط لهذه الملازمات بعالم الألفاظ حتى يكون البحثان من مباحث الألفاظ .
ولكننا نختلف عن المحقق الاصفهاني (قده) في بعض النظرات بالنسبة لمقدمة الواجب ومسألة الضد ، والحديث أولاً في مقدمة الواجب :
فإن الملازمة المبحوث عنها هناك تتصور على أربعة معاني :
1 ـ التلازم بين الاعتبارين تكويناً ، بمعنى أن الجاعل إذا حكم بوجوب شيء يرى نفسه مجبوراً على جعل وجوب آخر لمقدمة ذلك الشيء بمقتضى المقدمية ، فهناك جعلان الا أن أحدهما اختياري والاخر قهري ، لكننا لو سلمنا هذا المعنى الفاسد في نفسه حيث أن الجعل الاعتباري اختياري لا قهري فالملازمة حينئذٍ بين الاعتبارين والجعلين لا بين المعتبرين المجعولين ، والمدعى دخول بحث مقدمة الواجب في الملازمات العقلية بين الأحكام ، بينما على هذا المعنى يدخل بحث مقدمة الواجب في الملازمات العقلية بين الاعتبارات نفسها لا بين المعتبرات .
2 ـ الملازمة بين الوجوب النفسي والغيري على نحو الترشح المعلولي أي أن الوجوب الغيري للمقدمة يترشح من الوجرب النفسي لذي المقدمة على نحو

( 41 )

ترشح المعلول من علته ، وهذا المعنى لوضوح بطلانه حيث انه لا يعقل الترشح المعلولي في الاعتباريات بل الاعتباري خاضع للجعل والابداع فلا وجه لربط تصنيف علم الأصول به .
3 ـ الملازمة العرفية : بمعنى أن الجاعل إذا أنشأ الوجوب لشيء فمن المستهجن عند العرف والعقلاء عدم إنشاء الوجوب لمقدمته ، فإن علاقة المقدمية التكوينية بينهما تولد تلازماً في الاعتبار كالمتضايفين ، فإن اعتبار شخص أباً عند العقلاء ملازم لاعتبار الطرف الأخر ابناً له ويستهجن العقلاء التفكيك بينهما في الاعتبار لعلاقة التضايف فكذلك في بحث مقدمة الواجب ، وهذا المعنى على فرض صحته في نفسه لا يدرج بحث مقدمة الواجب في الملازمات العقلية بين الأحكام .
فإن التلازم بحسب هذا المعنى تلازم عرفي لا عقلي ، مضافا لكونه تلازما بين الاعتبارين لا بين المعتبرين الا ثانياً وبالعرض .
4 ـ الاندماج الاثباتي : ومعناه أن العرف يرى أن وجوب المقدمة مستبطن ومندمج في وجوب ذيها، فالمولى وإن احتاج ثبوتا للقيام بجعلين ولكنه إذا رأى أن الوجوب النفسي إثباتا مستبطن للوجوب الغيري فيكتفي بالصياغة الواحدة التي تعبر عن هذين الوجوبين على نحو الاندماج والاستبطان ، وسنشير لأسباب الاندماج في بحث مقدمة الواجب ولكن نقول هنا : لعل من أسباب الاندماج تقارن الجعلين في الحمل بمعنى أنه حمل الوجوب الغيري على مورد الوجوب النفسي فترة طويلة ولدت الاندماج بينهما واستبطان أحدهما في الأخر بحيث لا يمكن للجاعل التفكيك بينهما إلا بخلق أسباب أقوى لعدم الاندماج ، ونظير ذلك فكرة الاندماج يين الحكم الوضعي والحكم التكليفي ، فالنجاسة مستبطنة لوجوب الاجتناب باعتبار أن تقارن الجعلين في الحمل فترة طويلة ولدت اندماجهما، وكذلك فكرة الاندماج في عقد البيع وخيار الغبن مثلا،

( 42 )

حيث ذكر المحقق النائيني (قده) أن منشأ خيار الغبن في عقد البيع هو الشرط الضمني الارتكازي وهو عدم زيادة مالية المنتقل عنه عن المنتقل إليه(1).
ونحن نقول : لعل من أسباب ارتكازية الشرط المذكور واندماجه في نفس العقد تقارن الاعتبار لهما فترة كافية في ذلك ، ومثله الاندماج بين مفهوم الالزام ومفهوم الوعيد فمعنى الوجوب بنظرنا هو البعث المستبطن للوعيد على الترك ، وذلك لكثرة تقارن الوعيد مع إصدار البعث فحصل الاندماج بينهما، وبناءاً على هذا التصور لوجوب المقدمة لا يوجد أي تلازم عقلي بين الوجولين حتى يدخل بحث المقدمة في بحث الملازمات العقلية بل هو اندماج إثباتي ، إذن على جميع المعاني للملازمة لا نرى وجهاً في ادخال بحث مقدمة الواجب تحت عنوان الملازمات العقلية فإنها بين معنى باطل في نفسه ومعنى لا ينسجم مع الملازمات العقلية .
هذا هو تعليقنا على ادخال بحث مقدمة الواجب في بحث الملازمات العقلية .
وأما بحث مسالة الضد، وهي أن الأمر بالشيء هل يقتضي النهي عن ضده العام والخاص أم لا ففيها ثلاثة مسالك :
أ ـ وجود الملازمة بين الأمر بالشيء والنهي الشرعي عن ضده ، وعلى هذا المسلك يصح إدخال مسألة الضد في بحث الملازمات العقلية، بمعنى أن العقل النظري يدرك وجود ملازمة بين الأمر بشيء والنهي شرعاً عن ضده .
ب ـ وجود الملازمة بين الأمر بالشيء شرعاً والنهي عن ضده عقلاً لا شرعاً وكفاية هذا الردع العقلي عن الردع الشرعي ، وعلى هذا المعنى فلا يدخل بحث الضد في الملازمات العقلية بين الأحكام الشرعية إذ لا يوجد حكمان شرعيان .

____________
(1) حاشية النائيني على المكاسب : ص 20.

( 43 )

ج ـ العينية الاعتبارية بين الوجوب والحرمة هنا، والمقصود بذلك ليس العينية المفهومية فإنه من الواضح الفرق مفهوماً بين قول المولى « صل » وقوله « لا تترك الصلاة » ، بل المقصود أن المجعول الاعتباري واحد والفارق في الصياغة الاثباتية المبرزه فالمجعول هو الالزام مع الوعيد ، الا أن هناك عبارتين مبرزتين لهذا الاعتبار إما على نحو الأصالة أو أن إحداهما هي التعبير الأصيل والأخرى اعتبار أدبي حاك عنه .
ونفس التحليل قد يذكر في بحث التلازم بين النهي عن شيء والأمر بضده .
وعلى هذا المعنى فلا يوجد حكمان حتى نبحث عن وجود الملازمة بينهما وعدمها .
والخلاصة : أن صحة ادخال مسألة الضد في بحث الملازمات بناءاً على مبنى صحيح بنظر القائل بذلك ، لا يعني اندراج المسألة في بحث الملازمات حتى على المباني الأخرى .
والخلاصة : أن المناقشات العديدة التي عرضناها أوضحت لنا النكتة في توسعة مباحث الألفاظ عند القدماء بلا حاجة لتغيير هذا المنهج الا لمنهج أفضل كما سيأتي بيانه .

المنهج المقترح :

وهو عندنا طريقتان :
أ ـ البحث حول محور الحجية .
ب ـ البحث حول محور الاعتبار.

الطريقة الأولى .

بما أن علم الأصول وضع كمقدمة لعلم الفقه فلابد أن يكون تصنيفه ومنهجه منسجماً مع مقدميته ، وحيث أن علم الفقه هو العلم الباحث عن تحديد الحكم الشرعي فالمناسب لتصنيف علم الأصول أن يدور مدار الحجة المثبتة للحكم الشرعي فإن ذلك هو النافع في مقدميته لعلم الفقه ،

( 44 )

ولذلك اخترنا أن موضوع علم الأصول كما سيأتي بيانه هو الحجة في الفقه فابحاثه تدور حول محور الحجية وعدمها، وبناءاً على هذا يصح تصنيف علم الأصول على ثلاثة أقسام :
أ ـ قسم الاحتمال .
ب ـ قسم الكشف .
ج ـ قسم الميثاق العقلائي .
الأول : الاحتمال : وهو على خمسة أصناف :
1 ـ الاحتمال الواصل لدرجة القطع والبحث في حجيته بحث في حجية القطع .
2 ـ الاحتمال الواصل لدرجة الاطمئنان والبحث عنه هو المتعلق بحجية الاطمئنان .
3 ـ الاحتمال المعتمد على قوة المحتمل وإن كانت درجة الاحتمال ضعيفة وهو المتحقق في موارد الأعراض والأموال والدماء، والبحث عن حجيته هو البحث المتعلق باصالة الاشتغال .
4 ـ الاحتمال المعتمد على العلم الاجمالي وهو يكتسب قوة من خلال استمداده من العلم الاجمالي ، الا إذا بلغت الأطراف كثرة تؤدي إلى موهومية الاحتمال في أطراف العلم الاجمالي ، وهذا البحث هو المعبرعنه بمباحث العلم الاجمالي والشبهتين المحصورة وغير المحصورة.
5 ـ الاحتمال الذي لا يستند لقوة في درجته ولا أهمية في المحتمل وهو على نوعين .
أ ـ الاحتمال المصطدم باحتمال معاكس له لوجود علم اجمالي بالجامع وهذا مورد أصالة التخيير.
ب ـ الاحتمال الغير مصطدم باحتمال معاكس وهو مورد أصالة البراءة ،

( 45 )

وهو على قسمين لأنه إذا ورد من الشارع بيان لعدم أهميته فهذا هو البراءة الشرعية وان لم يرد بيان فهذا هو البراءة العقلية.
إذاً فعنوان حجية الاحتمال هو العنوان الجامع بين هذه البحوث .
الثاني : حجية الكشف : والكشف على نوعين إدراكي وإحساسي ، فالكشف الادراكي هو المتوفر في الامارات العقلائية والشرعية التي قام الشرع أو المجتمع العقلائي بتتميم الكشف فيها، وهذا هو بحث حجية الامارات والطرق .
والكشف الاحساسي هو المتوفر في بحث الاستصحاب ، فإن الانسان إذا أحس بشيء ما ثم غاب الشيء عن وعيه فإنه قد يبقى ذلك الكشف الاحسامي عنده وهو شعوره بان الشيء ما زال موجوداً كما كان ، فهل هذا الكشف الاحساسي حجة أم لا، وهذا بحث الاستصحاب .
الثالث : حجية الميثاق العقلائي : والمقصود به كل طريق تبانى عليه المجتمع العقلائي كميثاق يؤخذ بلوازمه وآثاره ، سواءاً كان ذلك التباني بسبب الكاشفية النوعية لهذا الطريق عن الواقع كما يدعى ذلك في خبر الثقة، أو للمصلحة الاجتماعية العامة، ولعل الظواهر من هذا الباب فيبحث عنها من حيث الكبرى وهو حجية الظهور ومن حيث الصغرى كالبحث في صيغة الأمر والنهي والعام والخاص والمطلق والمقيد ونحوها من مباحث الألفاظ ، كما أن بحث تعارض الأدلة داخل في صورة الترجيح لأحد الخبرين في قسم حجية الكشف أو قسم حجية الميثاق العقلائي ، وكذلك في صورة التكافؤ مع القول بالتخيير، وأما على القول بالتساقط والرجوع للأصل العملي فيدخل البحث فيه في قسم حجية الاحتمال .
فهذه هي الطريقة الأولى من المنهج المقترح لتصنيف علم الاصول المبنية على محور الحجية للدليل المستخدم عند الفقيه للوصول إلى الحكم الشرعي .

( 46 )

ولكن لبعد هذه الطريقة عن المألوف في التصنيف الحوزوي لعلم الأصول ، ومن شرائط فن التصنيف أن لا يعد طفرة مستنكرة ما دامت خطوات التدريج كافية في تحقيق الهدف ، لذلك نرى أن الطريقة الثانية أقرب للتصنيف المألوف .

الطريقة الثانية :

حيث إن المبادئ التصديقية لكل علم إما أن تكون بديهية فلا تحتاج للبحث وإما أن تكون نظرية فتبحث في علم آخر يكون مقدمة لهذا العلم ، وعلم الفقه لما كان محور بحثه هو الحكم الشرعي والحكم نوع من الاعتبار، احتجنا لعلم آخر يبحث عن المبادئ التصديقية للحكم الشرعي ، وذلك بالحديث عن الاعتبار بصفة عامة والاعتبار الشرعي بصفة خاصة وعوارض هذا الاعتبار وأقسامه ولواحقه ، وذلك العلم هو علم الأصول ، فنقول.

بان التصنيف المقترح يدور حول الاعتبار وشؤونه وتفصيلاته في خمسة عشر بحثاً وهي :


1 ـ تعريف الاعتبار.
2 ـ تقسيمه للاعتبار الأدبي والقانوني .
3 ـ العلاقة بين الاعتبارين .
4 ـ اسلوب الجعل للاعتبار القانوني .
5 ـ مراحل الاعتبار القانوني .
6 ـ أقسام الاعتبار القانوني .
7 ـ العلاقة بين هذه الاقسام .
8 ـ أقسام القانون التكليفي والقانون الوضعي .
9 ـ عوارض الأحكام القانونية .
10ـ وسائل ابراز الحكم القانوني .
11 ـ وسائل استكشافه .

( 47 )

12 ـ وثاقة هذه الوسائل .
13 ـ التعارض الاثباتي والثبوتي بين وسائل الاستكشاف .
14 ـ التنافي بين الاعتبارات القانونية حين التطبيق .
15 ـ تعيين القانون عند فقد الوسيلة الاعلامية .

الأول :

تعريف الاعتبار: إن الفارق بين الأمر الاعتباري والتكويني يتلخص في كون التكويني حقيقة واقعية لا تختلف باختلاف الانظار والتوجهات وتكون نسبة الذهن البشري لها نسبة العلم الانفعالي لمعلومه ، بينما الأمر الاعتباري عمل ذهني إبداعي يقوم به الفرد أو المجتمع وتكون نسبة العقل البشري له نسبة العلم الفعلي لمعلومه ، فلذلك يختلف باختلاف النظرات والتوجهات والمجتمعات .

الثاني : اقسامه:

ينقسم الأمر الاعتباري للاعتبار الأدبي والاعتبار القانوني، والفارق بينهما أن الاعتبار الأدبي هو اعطاء حد شيء لشيء آخر بهدف التأثير في إحساس المجتمع ومشاعره كإعطاء حد الأسدية للرجل الشجاع بهدف زرع الهيبة والاكبار له في نفوس الأخرين ، وهو اعتبار غير متأصل لعدم كونه ظاهرة اجتماعية بل هو عمل فردي ، مضافاً لعدم تطابق المراد الاستعمالي فيه مع المراد الجدي ، فإن المراد الاستعمالي من ذكر الأسد مثلاً هو معناه المعروف بين الناس ولكن المقصود الجدي هو العناية في تطبيق ذلك المعنى على فرد ادعائي وهو الرجل الشجاع .
أما الاعتبار القانوني فهو صنع القرار المناسب للمصلحة الفردية أو الاجتماعية ، وهو اعتبار متأصل لكونه ظاهرة اجتماعية عامة، مضافاً لتطابق المراد الاستعمالي فيه مع المراد الجدي ، إذن فالاعتبار الأدبي يختلف عن الاعتبار القانوني حقيقة وهدفاً وصفة، أما اختلافهما في الحقيقة مع أنهما من مقولة الاعتبار والعمل الابداعي فهو أن الاعتبار القانوني قرار مرتبط بالجانب العملي

( 48 )

للفرد والمجتمع باسلوب مباشر كما في القوانين التكليفية، أو باسلوب غير مباشر كما في الأحكام الوضعية، فالقانون هو المحرك العملي والزاجر الفعلي بشكل مباشر أو غير مباشر، بينما الاعتبار الأدبي لا يرتبط بالجانب العملي للانسان وإنما يرتبط بالجوانب الذوقية والنفسية للإنسان . وأما اختلافهما في الهدف فإن الهدف من الاعتبار القانوني قيادة إرادة الانسان لتحقيق المصلحة والبعد عن المفسدة، بينما الهدف من الاعتبار الأدبي هو التاثير على أحاسيس الجمهور ومشاعرهم وميولهم .
وأما اختلافهما في الصفة فصفة الاعتبار الأدبي عدم تاصله خارجاً وعدم تطابق المراد الاستعمالي فيه مع المراد الجدي ، وصفة الاعتبار القانوني هو التأصل خارجاً مع تطابق المرادين فيه .

الثالث :

العلاقة بين الاعتبارين : إن علاقة الاعتبار الأدبي بالاعتبار القانوني تبرز في تولد الاعتبار القانوني من الاعتبار الأدبي ، فإن الاعتبار القانوني في بداية وجوده يكون اعتباراً أدبياً صرفاً ، فمثلاً اعتبار المال مملوكاً لزيد حقيقته اعطاء حد شيء لشيء آخر، وهو اعطاء لوازم الأمور الشخصية كافعال الانسان الجوارحية والجوانحية للأمور الأجنبية عنه ، فكما أن فعل الانسان تحت ارادته قبضاً وبسطاً واعطاءاً ومنعاً فكذلك المال الاجنبي عنه يكون تحت تصرفه وارادته ، وهذه هي حقيقة الملكية ، فهي اعتبار أدبي في مبدأ وجوده لكنه يتحول بمرور الوقت وبعد اقرار المجتمع العقلائي له وكثرة استعماله الى اعتبار قانوني يرتبط بعمل الفرد والمجتمع ، ويكون أمراً متاصلاً متصفاً بمطابقة المراد الاستعمالي فيه للمراد الجدي .

الرابع :

عناصر القانون وأسلوب جعله : عناصر القانون أربعة :
1 ـ الملاك وهو المصلحة أو المفسدة الموجودة في المتعلق .
2 ـ المصحح : حيث ان الحكم نوع من الاعتبار، والاعتبار لا يكون ذا

( 49 )

فاعلية وتأثير في المجتمع العقلائي حتى يكون له مصحح ، والمصحح للاعتبار القانوني هو صدق عنوان الداعي للخير والزاجر عن الشر عليه ، وهذا المصحح هو ملاك الحكم نفسه التابع للملاك الموجود في متعلقه وهو المصلحة والمفسدة.
3 ـ الارادة وهي التصميم والعزم على تاسيس القانون .
4 ـ الصياغة وهي صب القانون باسلوب مؤثر في قيادة إرادة الفرد أو المجتمع نحو فعل متعلق الأمر، وهل يراعى في هذه الصياغة نوع الملاك ، فإذا كان الملاك مثلاً مفسدة فالمناسب كون الصياغة زجرية وإذا كان الملاك مصلحة فالمناسب كون الصياغة بعثية، أم يراعى فيها المستوى النفسي للمكلفين فيختار الصياغة المؤثرة سواءاً تناسبت مع نوع الملاك أم لا؟ والجواب عن ذلك ياتي في بحث الضد.
وأما أسلوب جعله فإن الاساليب المستخدمة في صياغة الاعتبار الأدبي كالمجاز المرسل والاستعارة والكناية ونحوها مذكورة بالتفصيل في كتب علم البيان ، وأما أساليب صياغة الاعتبار القانوني فهي على نوعين :
أ ـ اسلوب القضايا الحقيقة الراجعة لقضية شرطية مقدمها وجود الموضوع خارجاً وتاليها ثبوت المحمول له ، كقولنا كل مستطيع يجب عليه الحج الشامل للفرد الموجود بالفعل الواجد للشرائط وغير الواجد لها وللفرد المقدر الوجود.
ب ـ اسلوب القضايا الخارجية الراجعة لتوجيه خطاب تكليفي أو وضعي للأفراد الموجودين بالفعل الواجدين لشرائط الخطاب فقط ، فالاسلوبان يفترقان من حيث المفهوم والمصحح والأثر، أما افتراقهما مفهوما فإن مفهوم الجعل الحقيقي متقوم بالموضوع الفرضي ومفهوم الجعل الخارجي متقوم بالموضوع الفعلي ، وأما افتراقهما في المصحح فالمصحح للجعل القانوني الكلي هو الداعوية والزاجرية بالامكان بينما المصحح للخطاب الخارجي هو الداعوية

( 50 )

والزاجرية بالفعل ، وأما افتراقهما في الأثر فإن أثر الخطابات الحقيقية هو الشمول للأفراد المقدرة الوجود باعتبار مرور الحكم بمراحل كمرحلة الانشاء والفعلية والتنجز، بينما أثر الخطاب الخارجي هو انطواء مرحلة الجعل في مرحلة الفعلية ومرحلة الفعلية في مرحلة التنجز وعدم الشمول الا للأفراد الفعلية .

الخامس :

في بيان مراحل القانون : إن الاعتبار القانوني له أربع مراحل في نظر المتأخرين من الأصوليين :
أ ـ مرحلة الاقتضاء : وهي مرحلة وجود ملاك الحكم ومناطه ويعتبر وجود الملاك خارجاً وجوداً للحكم بالعرض والمجاز باعتبار أن روح الحكم في ملاكه وغاية جعله في مناطه ، ولذلك يقال بان للحكم وجود اقتضائياً في وجود ملاكه .
ب ـ مرحلة الجعل والانشاء: وهي حقيقة الحكم فإن فيها تتم صياغة الحكم وتحديد معالمه وشؤونه ، فالحكم بالحمل الأولي هو هذه المرحلة الجعلية إذا صدرت ممن له أهلية الجعل والانشاء .
ج ـ مرحلة الفعلية. وهي في نظر المحقق النائيني عبارة عن تحقق الموضوع وفعليته خارجاً وفعلية الموضوع منشأ لفعلية الحكم فإن نسبة الحكم لموضوعه نسبة المعلول لعلته التامة ، وهذه المرحلة انعكاس لجميع القيود والحدود المأخوذة في مرحلة الانشاء من دون أن تخضع هذه المرحلة لأي تصرف قانوني من قبل المولى . هذا بنظر النائيني (قده) وأما في نظر الاخوند فهي عبارة عن مرحلة الفاعلية أي خروج القانون من مؤسسة الجعل إلى اللوائح الاعلامية التي بها يكون القانون ذا فاعلية وتأثير بحيث لو علم به المكلف لتنجز عليه ، فلا ربط لهذه المرحلة في نظره بتحقق الموضوع خارجاً وإنما هي مرتبطة بوصول الحكم للوسائل المبرزة له .
د ـ مرحلة التنجز: وهي مرحلة وصول الحكم للمكلف بحيث تصح ادانته به وتتم مسؤوليته عنه .